تباطؤ نشاط الإسكان في الولايات المتحدة مع ارتفاع طفيف جديد في معدلات الرهن العقاري
ولا تقتصر مخاطر التباطؤ المطوّل في سوق الإسكان على المشترين والبائعين الأفراد فحسب. فالبناء السكني يشكل محركًا رئيسيًا للنشاط الاقتصادي، إذ يدعم الوظائف في قطاعات البناء والمواد والخدمات العقارية وإيرادات الحكومات المحلية. وإذا استمر ضعف نشاط الإسكان لفترة طويلة، فقد يضغط ذلك على التوظيف في قطاع البناء ويبطئ النمو في القطاعات المرتبطة به. وقد تواجه شركات البناء الأصغر على وجه الخصوص صعوبات في استيعاب تكاليف التمويل المرتفعة وتراجع الطلب في آن واحد.
وهناك أيضًا مسألة أسعار المنازل. ففي العديد من المناطق التي شهدت ارتفاعات حادة خلال طفرة فترة الجائحة، بدأت الأسعار تُظهر علامات ركود. ورغم أن حدوث انخفاض حاد على المستوى الوطني لا يزال غير مرجح في ظل محدودية المعروض والطلب الديموغرافي القوي، فإن مخاطر التصحيحات السعرية المحلية آخذة في الازدياد. وبالنسبة للمشترين الجدد الذين يملكون هامشًا محدودًا من حقوق الملكية، قد تكون حتى التراجعات الطفيفة غير مريحة، ما قد يعزز حالة الحذر لدى المشترين المحتملين.
أما بالنسبة للشركات المرتبطة بقطاع الإسكان، فإن التداعيات واضحة. إذ يواجه مطورو المنازل بيئة تشغيلية أكثر صعوبة، حيث يحاولون الموازنة بين ارتفاع تكاليف المدخلات والحاجة إلى إبقاء المنازل في متناول المشترين. وقد لجأ كثير منهم إلى خفض معدلات الرهن أو تقديم حوافز أخرى للحفاظ على المبيعات، لكن هذه الإجراءات تضغط على هوامش الربح. وفي الوقت نفسه، يواصل مقرضو الرهن العقاري مواجهة أحجام أعمال منخفضة ومنافسة شديدة، ما يزيد الضغوط على الربحية ويعزز اتجاهات الاندماج داخل القطاع.
ويمتد تأثير تباطؤ الإسكان إلى ديناميكيات التضخم الأوسع. فعندما يصبح شراء المنازل أقل قدرة على التحمل، تبقى المزيد من الأسر في سوق الإيجار. ويؤدي هذا الطلب المستمر إلى بقاء تضخم الإيجارات مرتفعًا، حتى لو تباطأ نمو أسعار المنازل. وبما أن تكاليف السكن تشكل عنصرًا مهمًا في مقاييس التضخم، فإن استمرار ضغوط الإيجارات قد يعقّد الجهود الأوسع لمكافحة التضخم ويؤثر في قرارات السياسة النقدية المستقبلية.
وبالنظر إلى المستقبل، ستكون عدة بيانات حاسمة في تقييم المسار التالي لسوق الإسكان. إذ ستوفر بدايات البناء وتصاريح البناء إشارات حول مدى ثقة شركات التطوير في الطلب المستقبلي، بينما قد يشير أي تراجع حاد إلى مخاوف أعمق بشأن الآفاق. كما ستعطي بيانات طلبات الرهن العقاري، سواء للشراء أو إعادة التمويل، قراءة شبه فورية لمعنويات المشترين وتأثير تحركات المعدلات.
وفي نهاية المطاف، سيظل اتجاه معدلات الرهن العقاري العامل الحاسم. فما لم يحدث تراجع مستدام في عوائد السندات طويلة الأجل، من المرجح أن تبقى القدرة على تحمّل التكاليف مقيدة، وأن يظل نشاط الإسكان ضعيفًا. وفي الوقت الراهن، يبدو أن سوق الإسكان في الولايات المتحدة عالق في حالة ترقب محاصر بين طلب أساسي لا يزال متماسكًا والعبء الثقيل لتكاليف الاقتراض المرتفعة. وسيعتمد ما إذا كان هذا التوازن سيتجه نحو التعافي أو مزيد من التباطؤ على كيفية تطور المعدلات والثقة والاقتصاد الأوسع خلال الأشهر المقبلة.