تشديد البنوك الأمريكية لمعايير الإقراض مع ارتفاع هادئ في مخاطر الائتمان

ومضة الاقتصادي

كما تلعب الضغوط التنظيمية دورًا مهمًا في هذا التحول. إذ لا يزال المشرفون يركزون على كفاية رأس المال والأصول المرجحة بالمخاطر، لا سيما بعد أن كشفت فترات التوتر المالي الأخيرة عن نقاط ضعف في بعض الميزانيات المصرفية. ويشجع هذا التدقيق المتزايد البنوك على إدارة المخاطر بشكل أكثر تحفظًا، غالبًا من خلال تشديد معايير الاكتتاب أو إبطاء نمو القروض بدلًا من السعي لزيادة رأس المال في أسواق غير مستقرة.

وتكمن المخاطر المباشرة لهذا الاتجاه في احتمال حدوث انكماش ائتماني ينعكس على الاقتصاد الحقيقي. فالشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تعتمد بدرجة كبيرة على التمويل المصرفي، تُعدّ الأكثر عرضة للتأثر. إذ يمكن أن يؤدي تقييد الوصول إلى الائتمان إلى تأجيل الاستثمارات، وإبطاء التوظيف، وتقليص خطط التوسع. ومع مرور الوقت، قد تمتد هذه الآثار لتضعف ثقة الأعمال وتضغط على نمو الإنتاجية.

أما على صعيد الأسر، فإن تشديد الائتمان الاستهلاكي قد يترجم إلى ضعف في الإنفاق. فارتفاع معدلات رفض القروض أو خفض حدود بطاقات الائتمان والقروض الشخصية قد يحد من الإنفاق الاختياري، خصوصًا لدى الشرائح ذات الدخل المنخفض والمتوسط. وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد ينشأ ما يشبه حلقة تغذية عكسية، حيث يؤدي تراجع الطلب إلى تعزيز حذر البنوك، ومن ثم مزيد من القيود على الائتمان.

ومن منظور الأسواق، يمثل تشديد معايير الإقراض عبئًا على الأصول الدورية. فالقطاعات التي تعتمد على نمو قوي في الائتمان قد تواجه ضغوطًا مع تراجع دعم التمويل. في المقابل، يُرجّح أن تكون الشركات ذات الميزانيات القوية، والتدفقات النقدية المستقرة، واحتياجات إعادة التمويل المحدودة أكثر قدرة على الصمود، مع تزايد تركيز المستثمرين على الجودة.

أما داخل القطاع المالي نفسه، فالصورة أكثر تعقيدًا. فرغم أن تشديد المعايير قد يحد من الخسائر الائتمانية على المدى القريب، فإنه قد يقيد أيضًا نمو القروض، وبالتالي زخم الأرباح، ولا سيما لدى البنوك الإقليمية ذات الانكشاف المرتفع على الاقتصادات المحلية والعقارات التجارية. وقد تكون المؤسسات الأكبر، ذات مصادر الدخل المتنوعة وقواعد رأس المال الأقوى، في وضع أفضل لتجاوز هذه المرحلة، إلا أن حتى هذه البنوك لا يُتوقع أن تتبنى توسعًا عدوانيًا في ميزانياتها العمومية.

وبالنظر إلى المستقبل، ستساعد عدة مؤشرات في تحديد ما إذا كان هذا التشديد يمثل مجرد تعديل احترازي أم بداية دورة ائتمانية أكثر تقييدًا. فمسار نمو القروض سيكون إشارة مبكرة على شهية البنوك للمخاطر، إذ إن تباطؤًا حادًا قد يدل على تحول الحذر إلى انكماش فعلي. كما ستكشف نسب الشطب والديون غير العاملة ما إذا كان ارتفاع التعثرات سيظل محدودًا أم سيتسارع. وستوفر بيانات تعثر بطاقات الائتمان، على وجه الخصوص، رؤية أوضح حول متانة الأوضاع المالية للأسر في ظل استمرار الضغوط الناجمة عن أسعار الفائدة المرتفعة.

وبصورة عامة، لا تُعدّ معايير الإقراض الأكثر صرامة في حد ذاتها إشارة إلى أزمة وشيكة، بل هي إلى حد كبير استجابة منطقية لارتفاع الفائدة، والتشديد الرقابي، وحالة عدم اليقين في المراحل المتأخرة من الدورة. لكنها تظل ذات أهمية كبيرة. فالائتمان هو شريان النشاط الاقتصادي، وحتى التحولات التدريجية في توافره يمكن أن تؤثر في النمو والاستثمار وأداء الأسواق. ومع تراجع البنوك بهدوء خطوة إلى الخلف، قد يبدأ الاقتصاد الأوسع في الشعور بالتأثير ليس كصدمة مفاجئة، بل كضغط مستمر يختبر متانة التوسع الاقتصادي.

تم نسخ الرابط