تشديد البنوك الأمريكية لمعايير الإقراض مع ارتفاع هادئ في مخاطر الائتمان

ومضة الاقتصادي

تشديد البنوك الأمريكية لمعايير الإقراض مع ارتفاع هادئ في مخاطر الائتمان

على مدى العام الماضي، خالف الاقتصاد الأمريكي كثيرًا من التوقعات التي كانت تشير إلى اقتراب حدوث تشدد ائتماني حاد. فقد تباطأ النمو دون أن يتوقف، وظل سوق العمل متماسكًا، واستوعبت الأسواق المالية إلى حد كبير مستويات أسعار الفائدة المرتفعة. إلا أن ديناميكية أكثر حذرًا بدأت تتشكل في الخفاء داخل النظام المصرفي. إذ تقوم البنوك الأمريكية بتشديد معايير الإقراض في كل من القروض التجارية والاستهلاكية، في تحول يعكس ارتفاعًا تدريجيًا في مخاطر الائتمان واعتماد موقف دفاعي مع دخول الاقتصاد مرحلة أكثر حساسية من الدورة الاقتصادية.

تشير أحدث استطلاعات البنوك إلى توجه واسع النطاق نحو تشديد شروط الائتمان. فقد تم تضييق المعايير الخاصة بقروض الشركات، ولا سيما للشركات الصغيرة والمتوسطة، كما أصبحت شروط الإقراض الاستهلاكي أكثر صرامة. هذا التشديد لا يحدث بصورة مفاجئة أو حادة، بل يتسم بالتدرج والهدوء. ومع ذلك، فإنه يمثل تحولًا واضحًا مقارنة ببيئة الائتمان السهلة التي سادت في المراحل السابقة من الدورة.

أحد المؤشرات الرئيسية وراء هذا التحول يتمثل في تطور نسب التعثر. فرغم أن معدلات التخلف عن السداد لا تزال منخفضة تاريخيًا، فإنها بدأت بالارتفاع تدريجيًا من أدنى مستوياتها في الدورة. وفي الائتمان الاستهلاكي، ولا سيما بطاقات الائتمان وقروض السيارات، تشهد حالات التأخر في السداد زيادة طفيفة مع تكيف الأسر مع تكاليف الاقتراض المرتفعة وتآكل المدخرات الفائضة. أما في الإقراض التجاري، فتظهر الضغوط بشكل أوضح في قطاعات محددة مثل العقارات التجارية والمقترضين ذوي المديونية المرتفعة، ما يدفع البنوك إلى إعادة تقييم مخاطرها قبل أن تتسع نطاقات التوتر.

ويُعدّ عامل “أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول” المحرك الأساسي لهذا الحذر. فقد رفعت مستويات الفائدة الحالية أعباء خدمة الديون على الأفراد والشركات، ما قلل من هامش المرونة المالية. وفي الوقت ذاته، تواجه البنوك نفسها تكاليف تمويل أعلى، ما يضغط على هوامش الربحية ما لم تُعاد تسعير القروض بشكل كافٍ. وبدلًا من التوسع العدواني في الإقراض خلال هذه المرحلة من الدورة، تفضل العديد من البنوك حماية ميزانياتها العمومية والحفاظ على رؤوس أموالها.

ويعزز هذا النهج الحذر أيضًا تزايد الضبابية حول آفاق النمو. فرغم تجنب الاقتصاد الأمريكي الدخول في ركود حتى الآن، تشير المؤشرات الاستباقية إلى تباطؤ الزخم. إذ أصبحت الشركات أكثر انتقائية في خطط الاستثمار، في حين يظهر المستهلكون حساسية أكبر للأسعار وأسعار الفائدة. وفي هذا السياق، تقل رغبة البنوك في الإقراض للمقترضين ذوي الجدارة الائتمانية الهامشية، مفضلة توجيه التمويل إلى عملاء يتمتعون بتدفقات نقدية قوية وضمانات أفضل.

تم نسخ الرابط