مؤشر أسعار المستهلك في السعودية: إيجارات المساكن تقود تحول تركيبة التضخم في يناير
يشهد التضخم في المملكة العربية السعودية ارتفاعا طفيفا مجددا لكن ليس بالشكل الذي قد يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى.
فقد أظهرت البيانات الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء أن مؤشر أسعار المستهلك سجل ارتفاعا بنسبة 1.8% على أساس سنوي في يناير. رقم يبدو معتدلا ويمكن التعامل معه ضمن نطاق السيطرة. إلا أن التفاصيل تكشف جانبا أعمق من الصورة إذ تتركز الضغوط السعرية بشكل واضح في قطاع محدد وهو قطاع إيجارات المساكن وخدمات الإسكان.
وهنا تكمن القصة الحقيقية.
معدل التضخم في السعودية ما زال منخفضا مقارنة بكثير من الاقتصادات الكبرى حول العالم. ففي دول عديدة خلال السنوات الماضية كان الارتفاع مدفوعا بصدمات طاقة واسعة أو اختلال في سلاسل الإمداد أو زيادة عامة في الطلب. أما المشهد المحلي فيبدو مختلفا فالتضخم ليس شاملا بل مركزا في نطاق هيكلي واضح.
فقد سجلت خدمات الإسكان وبالأخص الإيجارات السكنية زيادات تدريجية تعكس تحولات ديموغرافية وتوسعا عمرانيا وعدم توازن نسبي بين العرض والطلب في مدن رئيسية مثل الرياض وجدة. ومع استمرار مشاريع التحول الاقتصادي ضمن رؤية 2030 وزيادة الاستثمارات وتدفق السكان إلى المراكز الحضرية ارتفع الطلب على الوحدات السكنية بوتيرة أسرع من نمو المعروض في بعض الشرائح.
وعلى عكس أسعار الغذاء أو الوقود فإن تضخم الإيجارات يتسم بطابع مستمر نسبيا. فالعقود تعاد تسعيرها على فترات زمنية ما يجعل انتقال الزيادات إلى المؤشر يتم بشكل تدريجي لكنه يبقى مؤثرا لفترة أطول. وعندما يصبح الإسكان هو المكون الأكبر في قراءة التضخم فهذا يعكس تحولات عميقة في هيكل الاقتصاد لا مجرد موجة سعرية مؤقتة.
من المهم توضيح أن هذه الزيادة لا تعني ارتفاعا واسع النطاق في الأسعار عبر جميع القطاعات.
فالتضخم الشامل الذي يشمل الغذاء والنقل والسلع والخدمات في آن واحد غالبا ما يرتبط بضغط طلب قوي أو سياسات نقدية توسعية واضحة. لكن بيانات يناير لا تشير إلى هذا المسار.
في قطاعات أخرى لم تشهد الأسعار زيادات جماعية. بل قامت شركات ومؤسسات بتعديل نماذج التسعير بطريقة انتقائية تعتمد على تكاليفها الخاصة وظروفها التشغيلية بدلا من تمرير توقعات تضخم عامة إلى المستهلكين. هذا السلوك يعكس درجة من النضج في آليات التسعير حيث يتم التمييز بين الضغوط القطاعية والاتجاه العام.
بمعنى أوضح: لا توجد مؤشرات على دوامة تضخمية بل على تعديل يتركز في قطاع محدد.
أمام هذه المعطيات تعيد الشركات ضبط استراتيجياتها بشكل أدق. لم يعد التعامل مع السوق قائما على افتراض ارتفاع شامل في الأسعار بل على قراءة تفصيلية لمواضع الضغط الفعلي.