كندا والصين تتحركان لإعادة ضبط العلاقات الثنائية وسط ضغوط أمريكية
ضغوط أمريكية وحسابات دقيقة
غير أن هذا التقارب المحتمل لا يخلو من تحديات، إذ تواجه كندا ضغوطًا واضحة من الولايات المتحدة، التي تنظر بعين الريبة إلى أي تحركات قد تعزز النفوذ الصيني في أمريكا الشمالية. وتضع واشنطن أولوية كبرى لتنسيق السياسات مع حلفائها، خاصة في ما يتعلق بالتكنولوجيا المتقدمة، وسلاسل الإمداد الاستراتيجية، والاستثمارات في البنية التحتية الحيوية.
بالنسبة لكندا، يعني ذلك ضرورة السير على حبل مشدود. فمن جهة، لا تستطيع تجاهل مصالحها الاقتصادية ولا فرص تنويع الشراكات. ومن جهة أخرى، لا يمكنها المخاطرة بإلحاق ضرر بعلاقتها مع أكبر شريك تجاري وحليف أمني لها. هذا التوازن الدقيق يفرض على صناع القرار الكنديين اعتماد مقاربة براغماتية، تقوم على الانفتاح الاقتصادي المشروط والحذر السياسي.
التحديات الداخلية وردود الفعل السياسية
إلى جانب التعقيدات الخارجية، تواجه الحكومة الكندية تحديات داخلية لا تقل أهمية. فالعلاقات مع الصين تثير جدلًا واسعًا في الساحة السياسية والإعلامية، حيث تتداخل الاعتبارات الاقتصادية مع مخاوف تتعلق بالأمن القومي، وحقوق الإنسان، وحماية الصناعات المحلية. وقد يؤدي أي تقارب مفرط مع بكين إلى ردود فعل سياسية سلبية، خاصة في فترات حساسة انتخابيًا.
كما أن تشديد القوانين المتعلقة بمراجعة الاستثمارات الأجنبية يعكس هذا القلق الداخلي. فبينما ترحب كندا برأس المال الأجنبي، فإنها تسعى في الوقت نفسه إلى ضمان عدم سيطرة جهات خارجية على أصول استراتيجية أو تقنيات حساسة. هذا الإطار التنظيمي قد يحد من حجم وسرعة الاستثمارات الصينية، حتى في حال تحسن العلاقات السياسية.
انعكاسات على التجارة والاستثمار
إذا نجحت جهود إعادة ضبط العلاقات، فقد تشهد السنوات المقبلة تحولات ملموسة في أنماط التجارة والاستثمار بين البلدين. وقد تشمل هذه التحولات زيادة الاستثمارات الصينية في قطاعات الموارد الطبيعية والطاقة المتجددة، إلى جانب توسع الصادرات الكندية من المنتجات الزراعية والمواد الخام.
كما يمكن أن يؤدي هذا التقارب إلى إعادة رسم بعض ملامح التجارة في أمريكا الشمالية، خصوصًا إذا تمكنت كندا من تعزيز دورها كمورد بديل ومستقر للصين في مجالات معينة. ومع ذلك، فإن أي تغيير كبير سيظل مرهونًا بقدرة الطرفين على إدارة التوترات الجيوسياسية الأوسع، وبمدى استعداد كندا لتحمل كلفة سياسية محتملة على الصعيد الداخلي والخارجي.
ما الذي يجب متابعته لاحقًا
خلال المرحلة المقبلة، ستتجه الأنظار إلى أي اتفاقيات تجارية أو استثمارية ملموسة قد تنبثق عن هذا التقارب، إضافة إلى تطور حجم الاستثمارات المتبادلة وتدفقات رأس المال. كما ستكون ردود الفعل الأمريكية عاملًا حاسمًا في تحديد سقف التعاون الممكن، سواء عبر ضغوط دبلوماسية مباشرة أو من خلال سياسات تجارية وتنظيمية.
في المحصلة، تعكس تحركات كندا والصين لإعادة ضبط علاقتهما واقعًا عالميًا يتسم بازدياد الاستقطاب الاقتصادي، وسعي الدول المتوسطة إلى توسيع هامش مناورتها. وبينما تحمل هذه الخطوات فرصًا اقتصادية واضحة، فإنها تأتي أيضًا محمّلة بمخاطر سياسية وجيوسياسية، ما يجعل نجاحها مرهونًا بإدارة دقيقة للتوازن بين المصالح الوطنية والتحالفات الاستراتيجية.