فرنسا تخفّض توقعات النمو مع تراجع غير متوقع في الطلب المحلي
فرنسا تخفّض توقعات النمو مع تراجع غير متوقع في الطلب المحلي
خفّضت الحكومة الفرنسية توقعاتها لنمو الاقتصاد بعد أن أظهرت البيانات الأخيرة ضعفاً غير متوقع في الطلب المحلي، ما شكّل إشارة مقلقة لثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو. وجاءت المراجعة في وقت حساس تسعى فيه باريس إلى تحقيق توازن دقيق بين دعم النمو والحفاظ على الانضباط المالي ضمن الإطار الصارم لقواعد الاتحاد الأوروبي.
وبحسب التقديرات المعدلة، فإن نمو الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025 سيكون أضعف مما كان متوقعاً في السابق، نتيجة تباطؤ إنفاق المستهلكين وتراجع استثمارات الشركات. ويعكس هذا التحول صورة أكثر هشاشة للاقتصاد الفرنسي، بعد فترة من الصمود النسبي في وجه الصدمات العالمية مثل تشديد السياسات النقدية وارتفاع تكاليف الطاقة.
البيانات الأخيرة أظهرت أن الأسر الفرنسية باتت أكثر حذراً في إنفاقها، في ظل استمرار الضغوط الناجمة عن ارتفاع تكاليف الاقتراض وتآكل القوة الشرائية. فأسعار الفائدة المرتفعة أثّرت على القروض الاستهلاكية والرهون العقارية، ما دفع العديد من العائلات إلى تأجيل قرارات الشراء الكبرى. وفي الوقت نفسه، تراجعت ثقة المستهلكين، وهو عامل نفسي يلعب دوراً مهماً في تحديد سلوك الإنفاق حتى في حال تحسّن بعض المؤشرات الاسمية.
أما على صعيد الشركات، فقد ساهمت حالة عدم اليقين الاقتصادي في كبح شهية الاستثمار. فتكاليف التمويل المرتفعة، إلى جانب ضعف الطلب، دفعت العديد من الشركات إلى تأجيل أو تقليص خطط التوسع. وقد كان هذا التباطؤ أكثر وضوحاً في قطاعات مثل التجزئة والبناء، حيث أظهرت المؤشرات تراجعاً في النشاط وتباطؤاً في المشاريع الجديدة.
العوامل المحرّكة لهذا الضعف لا تقتصر على الداخل الفرنسي فقط. فالاقتصاد الأوروبي ككل يواجه مرحلة من النمو البطيء، ما يحد من فرص التعافي عبر الصادرات. ومع أن فرنسا أقل اعتماداً على الصادرات مقارنة ببعض جيرانها، فإن ضعف البيئة الإقليمية يضيف طبقة إضافية من الضغط على الأداء الاقتصادي العام.
هذا التباطؤ يطرح تحديات كبيرة أمام المالية العامة. فمع ضعف النمو، تميل الإيرادات الضريبية إلى التراجع أو النمو بوتيرة أبطأ من المتوقع، ما يزيد الضغط على الموازنة. وفي المقابل، تبقى النفقات العامة مرتفعة، سواء لدعم الأسر أو للحفاظ على مستويات الخدمات العامة. وتجد الحكومة نفسها أمام معادلة صعبة: كيفية دعم الاقتصاد من دون تجاوز الحدود التي تفرضها قواعد الاتحاد الأوروبي المتعلقة بالعجز والدين.