تعافي إنفاق المستهلكين في الصين يلوح بحذر بعد فترة طويلة من الضعف
إلى جانب ذلك، تبقى المخاوف المتعلقة بالأمن الوظيفي عنصرًا كابحًا للطلب. فرغم استقرار سوق العمل نسبيًا، إلا أن وتيرة خلق الوظائف، لا سيما للشباب، لا تزال دون المستوى الذي يعزز الثقة على المدى الطويل. ومع استمرار حالة عدم اليقين بشأن آفاق النمو، يظل المستهلك الصيني حذرًا، مترددًا في زيادة الإنفاق الاختياري أو الالتزام بنفقات طويلة الأجل.
انعكاسات هذا التعافي الحذر على الأسواق المالية جاءت بدورها انتقائية. فقد استفادت بعض أسهم قطاعات الاستهلاك، والسفر، والخدمات من التحسن النسبي في الطلب، خصوصًا الشركات التي تركز على الإنفاق المحلي أو السياحة الداخلية. إلا أن هذا الأثر ظل محدودًا، إذ لم يتحول بعد إلى موجة صعود واسعة تشمل معظم القطاعات المرتبطة بالاستهلاك.
كما أن التأثير الخارجي لهذا التعافي لا يزال ضعيفًا. فطالما بقي التحسن محصورًا في قطاعات معينة، ولم يترافق مع تحسن واسع في ثقة المستهلكين، فمن غير المرجح أن يؤدي إلى دفعة قوية للواردات أو إلى تأثير ملموس على الاقتصادات الشريكة للصين. بمعنى آخر، لا يزال هذا التعافي داخليًا وانتقائيًا أكثر منه محركًا عالميًا للنمو.
من منظور السياسات، يواجه صانعو القرار معضلة دقيقة. فالمبالغة في التحفيز قد تزيد من اختلالات الديون، في حين أن الاكتفاء بإجراءات محدودة قد لا يكون كافيًا لإعادة الثقة بشكل مستدام. لذلك، يبدو أن النهج الحالي يقوم على الموازنة بين دعم الاستهلاك وتجنب المخاطر المالية، حتى وإن كان ذلك على حساب سرعة التعافي.
ما ينبغي مراقبته في المرحلة المقبلة سيكون حاسمًا في تحديد اتجاه المسار. بيانات التوظيف ستعطي إشارات أوضح حول متانة سوق العمل وقدرته على دعم الطلب الاستهلاكي. كذلك، ستوفر اتجاهات الادخار الأسري قراءة مهمة لمدى استعداد الأسر لتحويل المدخرات إلى إنفاق فعلي. استمرار ارتفاع معدلات الادخار قد يعني أن الحذر ما زال هو السمة الغالبة، رغم التحسن الظاهري في البيانات.
في المحصلة، يظهر إنفاق المستهلكين في الصين علامات تعافٍ، لكنه تعافٍ هش ومتدرج، يعتمد إلى حد كبير على الدعم السياسي وتحسن الظروف قصيرة الأجل. ومن دون تحسن أعمق في الثقة، واستقرار القطاع العقاري، وتعزيز الأمن الوظيفي، قد يبقى هذا الانتعاش محدودًا وقابلًا للتراجع. وبين التفاؤل الحذر والواقع المعقد، يقف المستهلك الصيني اليوم في موقع محوري سيحدد إلى حد بعيد ملامح النمو الاقتصادي في المرحلة المقبلة.