المملكة العربية السعودية توقف عقودًا رئيسية في مشروع تروجينا بقيمة 38 مليار دولار ضمن نيوم وسط ارتفاع التكاليف
السبب الأبرز وراء هذا التوقف بحسب ما يتردد هو الارتفاع الكبير في التكاليف مقارنة بالتقديرات الأولية . صحيح أن أي مشروع ضخم معرض لتجاوزات مالية لكن ما حدث هنا يبدو أنه تجاوز الحدود المقبولة خاصة مع عوامل مثل صعوبة البناء في تضاريس جبلية واضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار المواد إلى جانب إدخال تقنيات متقدمة بشكل مستمر ولا ننسى التعديلات المتكررة في التصاميم التي تضيف ضغطا إضافيا على الميزانية .
كل ذلك دفع الجهات المعنية إلى إعادة التفكير وربما إعادة ترتيب الأولويات. هناك حديث عن تشديد الرقابة المالية وعن احتمال تعديل بعض جوانب المشروع أو حتى إعادة التفاوض على العقود بشروط جديدة تتناسب مع الواقع الحالي. ليس تراجعا بقدر ما هو محاولة لضبط الإيقاع أو هكذا يبدو.
بالنسبة للمقاولين الصورة ليست مريحة . توقف الأعمال يعني تعطل المعدات وتأخير المدفوعات وضبابية بشأن المستقبل. شركات كانت تخطط على أساس جداول زمنية واضحة تجد نفسها الآن أمام فراغ غير متوقع وهو ما قد ينعكس ليس فقط على هذه الشركات بل على قطاع البناء بشكل أوسع خاصة مع ترابط سلاسل التوريد والعمالة .
أما الجداول الزمنية للمشروع فمن الصعب تصور أنها ستبقى كما كانت. حتى لو تم استئناف العمل لاحقا فإن إعادة تشغيل مشروع بهذا الحجم ليست عملية سريعة خصوصا إذا تطلب الأمر إعادة طرح العقود أو إدخال أطراف جديدة . التأخير هنا شبه مؤكد لكن مداه؟ هذا ما لا يزال غير واضح.
ورغم كل ذلك قد يرى البعض في هذه الخطوة جانبا مختلفا. فالتوقف رغم قسوته قد يكون إشارة إلى تحول في طريقة إدارة المشاريع العملاقة ليس فقط في السعودية بل عالميا. هناك توجه متزايد نحو الواقعية نحو موازنة الطموح مع الإمكانات نحو تنفيذ مرحلي أكثر حذرا بدل القفزات الكبيرة غير المحسوبة .
في النهاية يبقى مستقبل تروجينا مفتوحا على عدة احتمالات. قد يعود المشروع بشكل مختلف بميزانيات معدلة وخطط أكثر تحفظا وربما مع تقليص بعض عناصره. لكن ما حدث بالفعل يشكل لحظة مفصلية ليس فقط لنيوم بل لفكرة المشاريع الضخمة نفسها.
الدرس هنا واضح إلى حد ما الطموح وحده لا يكفي وحتى أكبر المشاريع تحتاج أن تتعامل مع الواقع كما هو لا كما نريده أن يكون. وفي المرحلة القادمة سيكون التوازن بين الحلم والتنفيذ هو العامل الحاسم وربما الأصعب أيضا.