الهيئة السعودية للموانئ توافق على استحواذ شركة APM Terminals على حصة 37.5% في محطة الحاويات الجنوبية التابعة لشركة موانئ دبي العالمية في ميناء جدة الإسلامي
الأثر الأكبر ربما يظهر في الصورة الأوسع. فممر البحر الأحمر ازدادت أهميته في السنوات الأخيرة خصوصا مع التقلبات الجيوسياسية واضطراب بعض الممرات البحرية الأخرى. في مثل هذا السياق إعادة هيكلة ملكية محطة محورية قد تعيد رسم ديناميكيات المنافسة بين تحالفات الشحن.
شركات الحاويات الكبرى تميل إلى الموانئ التي يملك مشغلوها حصصا فيها لما يوفره ذلك من وضوح في تخصيص المساحات وتنسيق الجداول. ومع دخول إيه بي إم تيرمينالز قد يصبح ميناء جدة أكثر جاذبية لتحالفات بعينها وربما نشهد تدفقات شحن عابرة إضافية تعزز موقعه كمركز يربط آسيا بأفريقيا وأوروبا.
وبالنسبة للمملكة الصورة أوسع من مجرد محطة. الطموح يتجاوز خدمة التجارة المحلية إلى ترسيخ جدة كمركز تنافسي لإعادة الشحن قادر على منافسة موانئ إقليمية راسخة. وهذا لا يحدث بين ليلة وضحاها لكنه يبدأ بخطوات من هذا النوع.
قد يتساءل البعض: وما علاقة كل ذلك بالمستهلك العادي؟ في الحقيقة العلاقة أوثق مما نتصور. كفاءة الموانئ تؤثر في تكلفة السلع وتوافرها من الأجهزة الإلكترونية إلى المواد الغذائية. تقليل الازدحام وتسريع بقاء السفن في الأرصفة يعني سلاسل إمداد أكثر موثوقية وأقل تقلبا.
وفي ظل توجه المملكة لتنويع اقتصادها تصبح البنية التحتية اللوجستية حجر أساس. التوسع الصناعي نمو التجارة الإلكترونية وزيادة الصادرات كلها تعتمد على موانئ تعمل بسلاسة. لذلك فإن تعديل هيكل ملكية محطة رئيسية ليس تفصيلا فنيا بل مؤشر ثقة في توسع تجاري طويل المدى.
الصفقة تعكس أيضا اتجاها عالميا واضحا: الموانئ لم تعد أصولا معزولة بل عقدا داخل شبكات مترابطة. الشركات الكبرى تسعى لامتلاك حصص استراتيجية لضمان موطئ قدم في نقاط بحرية حساسة فيما تحرص الدول على جذب الخبرة ورأس المال دون التفريط في الإشراف الوطني. هذا التوازن هو ما تحاول موانئ ترسيخه.
قد لا نرى غدا أرقاما قياسية مفاجئة فالحاويات ستستمر في التحميل والتفريغ كالمعتاد. لكن خلف الرافعات والساحات ستتغير طاولة القرار وستعاد صياغة الاستراتيجيات بهدوء. وربما مع مرور الوقت نشهد تسارعا في الاستثمارات: تحديث أنظمة التتبع توسعة الساحات أتمتة أعمق من يدري؟
في عالم التجارة أحيانا حصة بنسبة 37.5% تكفي لتغيير مسارات كاملة. وعندما تتبدل ملكية البنية التحتية يعاد رسم شيء من خريطة البحر حتى لو لم نلاحظ ذلك فورا. في جدة يبدو أن هذا الرسم بدأ بالفعل.