منحنى الثقة: النمو دون المبالغة في تقدير المهارة
وقد تبدو الأسواق المالية خادعة في كثير من الأحيان. فخلال الفترات الصاعدة مثلا تنجح استراتيجيات عديدة بصورة تجعل أصحابها يعتقدون أنهم يمتلكون مهارات استثنائية بينما تكون البيئة السوقية هي العامل الأكبر في تحقيق تلك النتائج. كما أن عدة صفقات رابحة متتالية قد تخلق شعورا وهميا بالخبرة فيختلط الحظ بالمهارة دون أن ينتبه المتداول لذلك. ومن طبيعة الإنسان أنه يبحث دائما عن تفسير لنجاحه لذلك ينسب الأرباح إلى ذكائه الخاص ويتجاهل تأثير الظروف المحيطة .
هذا النوع من التفكير قد يقود إلى سلوكيات خطرة مثل زيادة حجم الصفقات بشكل مبالغ فيه أو تجاهل قواعد إدارة المخاطر أو التداول بوتيرة أكبر من المعتاد أو رفض الاعتراف بالأخطاء بل وحتى اعتبار الخسائر مجرد أحداث مؤقتة لا تستحق المراجعة . وغالبا ما تكون النتيجة تصحيحا مؤلما عندما تتغير حركة السوق ويختفي الدعم الذي كانت توفره الظروف المواتية .
ويخلط عدد كبير من المتداولين بين الثقة والكفاءة رغم أن الفرق بينهما كبير. فالثقة هي شعور داخلي وإيمان بالقدرات الشخصية ويمكن أن ترتفع بسرعة وتتأثر بالمشاعر وقد تكون أحيانا غير دقيقة أو مؤقتة . أما الكفاءة فهي المهارة الحقيقية التي تبنى ببطء عبر الخبرة والممارسة وتعتمد على نتائج قابلة للقياس وتبقى أكثر استقرارا مع مرور الوقت. لذلك فإن متداولا حقق خمس صفقات ناجحة متتالية قد يشعر بثقة هائلة لكن لا يمكن الحكم على كفاءته الحقيقية إلا بعد مئات الصفقات وعبر ظروف سوق مختلفة ومتغيرة .
ومع استمرار المتداول في رحلته داخل الأسواق يظل منحنى الثقة حاضرا بشكل أو بآخر. فالبداية تكون غالبا مليئة بالشك وعدم اليقين ثم تأتي فترات ترتفع فيها الثقة وربما تتجاوز حدودها الطبيعية قبل أن تعيد التجارب والخبرات تشكيل الصورة بصورة أكثر واقعية . وفي النهاية لا يكمن النجاح في امتلاك أكبر قدر من الثقة بل في أن تعكس تلك الثقة مستوى الكفاءة الحقيقي وأن تبنى على الخبرة والانضباط والتعلم المستمر. ومع مرور الوقت يكون هذا التوازن هو ما يمنح المتداول رؤية أوضح للأسواق وقدرة أكبر على الاستمرار وتحقيق نتائج مستقرة على المدى الطويل وربما هنا يكمن الفارق الحقيقي بين النجاح المؤقت والنجاح الذي يدوم.