قوة الانتقائية: اختيار الجودة على حساب الكمية
وأخيرا هناك الاستمرارية أي الالتزام بمنهج واحد مختبر بدل القفز بين أفكار متعددة .
إذا نظرنا للأمر من زاوية أخرى يمكن فهم الفرق بين أسلوبين مختلفين تماما. هناك من يتعامل مع التداول بمنطق الكمية حيث يتم تنفيذ عدد كبير من الصفقات دون تدقيق كاف وغالبا ما تكون النتيجة تكلفة أعلى وضجيجا أكبر في الأداء وصعوبة في السيطرة على الخسائر. وفي المقابل هناك من يركز على الجودة حيث يتم تنفيذ عدد أقل من الصفقات لكنها مختارة بعناية وغالبا ما تكون النتائج أكثر توازنا واستقرارا حتى لو كان عدد الفرص أقل بكثير.
التحول الحقيقي في التفكير هنا هو الانتقال من سؤال كم صفقة أستطيع أن أفتح اليوم؟ إلى سؤال أكثر نضجا: هل هذه الصفقة تستحق الدخول أصلا؟ . هذا التحول وحده كفيل بتغيير طريقة تعامل المتداول مع السوق بالكامل.
لكن فهم الفكرة شيء وتطبيقها في الواقع شيء آخر تماما. فالسوق مليء بالإغراءات ومن السهل أن تضيع المعايير وسط الحركة المستمرة . لذلك يلجأ المتداولون المنتقون إلى أدوات تساعدهم على الحفاظ على هذا المستوى من الدقة مثل استخدام قائمة تحقق قبل الدخول في أي صفقة . هذه القائمة قد تتضمن أسئلة بسيطة لكنها حاسمة : هل الاتجاه واضح فعلا؟ هل الإشارة تتماشى مع الاستراتيجية الأساسية ؟ هل هناك تأكيد من حجم التداول؟ هل نسبة الربح إلى الخسارة مقبولة مثل 1:2 على الأقل؟ وهل التوقيت مناسب فعلا لدخول السوق؟
في النهاية قوة الانتقائية ليست في تعقيدها بل في بساطتها الصارمة . هي تقوم على فكرة واحدة فقط تقريبا: لا تدخل إلا عندما تكون الظروف مناسبة فعلا. ومع الوقت يتضح أن التداول ليس سباقا في عدد العمليات بل هو عملية اختيار دقيقة جدا أشبه بانتظار اللحظة الصحيحة بدل مطاردة كل لحظة .
ربما أهم ما يصل إليه المتداول مع الزمن هو إدراك ثلاث حقائق بسيطة : أن السوق لا يقدم كل حركة كفرصة حقيقية وأن الانضباط أهم من كثرة التكرار وأن الجودة في النهاية تتفوق على الكمية مهما طال الزمن.