لقاءات بكين مع رؤساء سيتي غروب وغولدمان ساكس تكشف سباقًا مبكرًا على مستقبل التمويل بين الصين والغرب

ومضة الاقتصادي


اللافت أيضا أن المنافسة  الاقتصادية  بين الصين والولايات المتحدة  أصبحت أكثر تشعبا من السابق. لم تعد المسألة  مرتبطة  بتبادل السلع فقط  بل امتدت إلى التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد وحتى أنظمة  الدفع العالمية . وهنا تحول القطاع المالي إلى جزء أساسي من معادلة  القوة  الدولية   لأن التحكم في تدفقات الاستثمار ورؤوس الأموال بات عنصرا مؤثرا بقدر تأثير التجارة  وربما أكثر أحيانا.
وفي المقابل تدرك بكين أن وجود مؤسسات مالية  عالمية  كبيرة  داخل أسواقها يمنح الاقتصاد الصيني قدرا أكبر من الثقة  الدولية   خصوصا في أوقات التوتر السياسي والجيوسياسي. لذلك تبدو المرحلة  الحالية  وكأنها محاولة  لإعادة  التوازن بين التشدد التنظيمي والانفتاح الاقتصادي بعد سنوات أثارت فيها السياسات الصينية  الصارمة  مخاوف المستثمرين الأجانب تجاه استقرار البيئة  الاستثمارية  هناك.
ورغم هذه الإشارات الإيجابية  نسبيا  إلا أن الحذر ما يزال حاضرا بقوة  لدى كثير من المستثمرين. فالعلاقة  بين الصين والغرب لا تزال محاطة  بقدر كبير من الضبابية  السياسية  والاستراتيجية   وأي تغير مفاجئ في الملفات الجيوسياسية  قد يعيد التوتر للأسواق بسرعة .
ومع ذلك  تراقب الأسواق العالمية  هذه الاجتماعات باهتمام واضح لأنها قد تكشف اتجاه السياسة  الاقتصادية  الصينية  خلال السنوات المقبلة . فإذا قررت بكين توسيع الانفتاح المالي فعلا  فقد نشهد نشاطا أكبر للبنوك العالمية  داخل الصين وارتفاعا في تدفقات الاستثمار وتوسعا بخدمات التمويل وإدارة  الثروات. أما إذا بقي الانفتاح محدودا ومتقلبا  فستستمر المؤسسات الأجنبية  بالتعامل بحذر حتى مع ضخامة  السوق الصينية .
وفي كل الأحوال يبدو واضحا أن البنوك الكبرى لا تريد البقاء خارج المشهد. الجميع يحاول حجز موقعه مبكرا قبل أن تتغير القواعد أو تشتد المنافسة  أكثر.
ما يحدث اليوم قد لا يكون مجرد لقاءات اقتصادية  عابرة   بل جزء من سباق عالمي لإعادة  تشكيل خريطة  النفوذ المالي الدولي. العالم يعيش فعلا مرحلة  إعادة  تموضع اقتصادي وسياسي كبيرة   وكل قوة  كبرى تحاول حماية  نفوذها في التجارة  والتكنولوجيا والمال معا. ولهذا تبدو لقاءات بكين مع رؤساء البنوك الأميركية  أكبر بكثير من مجرد نقاشات حول إدارة  الثروات أو التمويل العابر للحدود  لأنها في النهاية  تدور حول سؤال واحد يزداد حضوره يوما بعد يوم: من سيمسك بزمام النظام المالي العالمي القادم؟

تم نسخ الرابط