تعيين وزارة الخزانة البريطانية منصة أوريون التابعة لـ HSBC لمشروع السندات الرقمية يمهّد لتحول في بنية إصدار الدين السيادي
حتى شركات التكنولوجيا المالية ومزودو حلول الامتثال رأوا في الخطوة إشارة إلى أن "الترميز" لم يعد مفهوماً نظرياً، بل مساراً عملياً تتبناه جهة سيادية كبرى.
التحول هنا ليس تقنياً فقط، بل سلوكي أيضاً. عندما تختبر حكومة بحجم المملكة المتحدة إصدار سندات عبر منصة قائمة على تقنية دفتر الأستاذ الموزع، فإنها تمنح شرعية مؤسسية لفكرة الأصول المرمزة.
لماذا يهم هذا أسواق الدين العالمية؟
السندات الحكومية تُعد من أكثر الأدوات المالية أماناً وسيولة في العالم. وأي تغيير في طريقة إصدارها أو تسويتها ينعكس على النظام المالي بأكمله.
إذا أثبت المشروع التجريبي نجاحه، فقد يشجع حكومات أخرى على اعتماد نماذج مشابهة. وهذا بدوره قد يؤدي إلى نشوء معايير جديدة لإصدار وتسوية الدين السيادي.
كما أن تقليل زمن التسوية يمكن أن يخفف متطلبات رأس المال المرتبطة بالمخاطر التشغيلية، ويعزز كفاءة إدارة السيولة لدى البنوك والمستثمرين المؤسسيين.
لكن التحديات لا تزال قائمة. فالتكامل مع الأنظمة القائمة، وضمان الامتثال التنظيمي، وحماية الأمن السيبراني، جميعها عناصر حاسمة لنجاح التجربة.
بين الابتكار والحذر
من المهم التأكيد أن المشروع لا يعني تحولاً فورياً وشاملاً إلى السندات الرقمية. إنه تجربة خاضعة للرقابة التنظيمية، تهدف إلى اختبار الفرضيات قبل تعميمها.
الأسواق المالية بطبيعتها محافظة، خاصة عندما يتعلق الأمر بأدوات سيادية. الثقة عنصر أساسي في الدين الحكومي، وأي تغيير في البنية التحتية يجب أن يحافظ على هذه الثقة أو يعززها.
لهذا السبب، يتوقع أن يتم تنفيذ المشروع على نطاق محدود، مع مراقبة دقيقة للأداء التشغيلي والقانوني.
إشارة إلى مستقبل التمويل السيادي
رغم طبيعته التجريبية، يحمل المشروع دلالة استراتيجية أوسع: الحكومات لم تعد تراقب ثورة التكنولوجيا المالية من الهامش، بل أصبحت جزءاً منها.
في السنوات الماضية، ارتبطت تقنيات السجلات الموزعة غالباً بالعملات المشفرة أو مبادرات القطاع الخاص. اليوم، نرى استخدامها في قلب النظام المالي التقليدي—في إصدار الدين السيادي نفسه.
الخطوة البريطانية قد لا تُغير قواعد اللعبة بين ليلة وضحاها، لكنها تفتح الباب أمام إعادة تصور كيفية انتقال الأموال والملكية عبر الأسواق.
وفي عالم تتزايد فيه الحاجة إلى الكفاءة والشفافية والسرعة، قد يصبح "السند الرقمي" ليس استثناءً تجريبياً، بل معياراً مستقبلياً.
ومع استعداد البنوك والوسطاء لتحديث أنظمتهم تحسباً لهذا التحول، يبدو أن بنية إصدار الدين الحكومي تدخل مرحلة جديدة مرحلة تمتزج فيها السيادة بالتكنولوجيا، والتقليد بالابتكار.