الشركات الكبرى تُعيد تمويل نفسها داخليًا مع تراجع موثوقية الائتمان المصرفي
الشركات الكبرى تُعيد تمويل نفسها داخليًا مع تراجع موثوقية الائتمان المصرفي
تشهد الشركات الكبرى تحولًا ملحوظًا في كيفية إدارة احتياجاتها التمويلية، في ظل بيئة مصرفية تتسم بقدر متزايد من الحذر وعدم اليقين. فمع تشديد البنوك لمعايير الإقراض وتباطؤ نمو الائتمان الخارجي، بدأت العديد من الشركات متعددة الفروع والأنشطة بالاعتماد بشكل أكبر على التمويل الداخلي، من خلال الإقراض بين الشركات التابعة وتجميع السيولة داخل المجموعة الواحدة. هذا التوجه لا يعكس فقط استجابة تكتيكية للظروف الحالية، بل يشير أيضًا إلى تغير أعمق في العلاقة بين الشركات الكبيرة والقطاع المصرفي.
تشير البيانات إلى زيادة واضحة في استخدام آليات مثل القروض بين الشركات التابعة، وإدارة الخزينة المركزية، وأنظمة تجميع النقد. في المقابل، تباطأ نمو الاقتراض الخارجي من البنوك والأسواق التقليدية. بالنسبة للشركات ذات الميزانيات القوية، أصبح الاعتماد على الموارد الذاتية وسيلة لتقليل التعرض لمخاطر تغير شروط الإقراض أو ارتفاع تكلفته المفاجئ. التمويل الداخلي يوفر درجة أعلى من اليقين، ويمنح الإدارة مرونة أكبر في توقيت واستخدام السيولة.
الدافع الرئيسي وراء هذا التحول هو تشديد البنوك لمعايير الإقراض. ففي أعقاب فترات من الاضطرابات المالية وارتفاع أسعار الفائدة، أصبحت المؤسسات المصرفية أكثر انتقائية في منح القروض، وأكثر حساسية للمخاطر القطاعية والجغرافية. حتى الشركات ذات الجدارة الائتمانية العالية قد تواجه شروطًا أكثر صرامة أو إجراءات أطول للحصول على التمويل. في هذا السياق، يبدو التمويل الداخلي خيارًا عمليًا لتجاوز التعقيدات الخارجية.
هناك أيضًا بعد استراتيجي لهذا التوجه. فالشركات التي تمتلك فوائض نقدية في بعض وحداتها تستطيع إعادة توجيه هذه السيولة إلى وحدات أخرى تحتاج إلى تمويل، بدل تركها خاملة أو إعادتها إلى المساهمين. هذا النهج يعزز الكفاءة الداخلية، لكنه في الوقت نفسه يعكس رغبة واضحة في السيطرة الكاملة على مصادر التمويل، بعيدًا عن تقلبات السوق المصرفية.
مع ذلك، لا يخلو الاعتماد المتزايد على التمويل الداخلي من مخاطر وتحديات. أحد أبرز هذه المخاطر هو احتمال سوء تخصيص رأس المال. عندما يصبح التمويل متاحًا بسهولة داخل المجموعة، قد تقل حدة الانضباط الاستثماري الذي يفرضه المقرضون الخارجيون. مشاريع ذات عوائد محدودة أو مخاطر مرتفعة قد تحصل على تمويل لمجرد توافر السيولة، لا بسبب جودتها الاقتصادية الحقيقية.