الحكومات تعتمد بشكل متزايد على الضوابط الإدارية للأسعار مع تراجع فعالية إشارات السوق

ومضة الاقتصادي

الحكومات تعتمد بشكل متزايد على الضوابط الإدارية للأسعار مع تراجع فعالية إشارات السوق

تشهد العديد من الاقتصادات تحولًا هادئًا لكنه عميق في طريقة تعامل الحكومات مع ارتفاع الأسعار. فبدلًا من الاعتماد أساسًا على آليات السوق، مثل أسعار الفائدة والمنافسة وتكيف العرض، يتجه صناع السياسات بشكل متزايد إلى فرض ضوابط إدارية مباشرة على الأسعار. أصبحت سقوف الإيجارات، وتنظيم تعرفة الطاقة، وتحديد أسعار السلع الأساسية أكثر شيوعًا، وغالبًا ما تُقدَّم على أنها إجراءات مؤقتة لتخفيف الأعباء. غير أن هذه التدخلات تهدف، في جوهرها، إلى التعامل مع ضعف الثقة في قدرة إشارات السوق على تنظيم الأسعار.

خلال الأشهر الأخيرة، وسّعت عدة حكومات نطاق ضوابط الإيجارات والمرافق العامة، أو ناقشت تجميد أسعار النقل، أو فرضت قيودًا على أسعار المواد الغذائية الأساسية. وغالبًا ما تُبرَّر هذه السياسات باعتبارها استجابات طارئة تهدف إلى كسب الوقت إلى أن ينحسر التضخم. إلا أن الواقع يشير إلى أن التدخلات المؤقتة في الأسعار باتت تحل محل العملية الطبيعية التي تتكيف فيها الأسعار مع تغيرات العرض والطلب. فبدلًا من السماح للأسعار المرتفعة بتنظيم الندرة أو جذب استثمارات جديدة، تتدخل السلطات لكبح الارتفاعات الواضحة في الأسعار.

الدوافع السياسية وراء هذا التوجه واضحة. فقد أصبح ضغط تكاليف المعيشة من أقوى القضايا في السياسات الديمقراطية. وعندما تواجه الأسر ارتفاعًا متزامنًا في الإيجارات وفواتير الطاقة وأسعار الغذاء، يتصاعد الضغط على المسؤولين المنتخبين. قد ترفع البنوك المركزية أسعار الفائدة للحد من التضخم، لكن آثار التشديد النقدي تظهر ببطء وبشكل غير متكافئ. وبين الفجوة الزمنية بين القرارات النقدية وظهور نتائجها الفعلية، تجد الحكومات نفسها مدفوعة إلى التدخل المباشر. توفر ضوابط الأسعار استجابة فورية وملموسة، يمكن الإعلان عنها بسرعة ويسهل على الناخبين فهمها.

إلا أن لضوابط الأسعار تكاليف معروفة. أبرز هذه المخاطر هو تشويه الحوافز المرتبطة بالعرض. فعندما تُحدد سقوف الإيجارات دون مستوى التوازن في السوق، قد يؤجل المالكون أعمال الصيانة، أو يحولون العقارات إلى استخدامات أخرى، أو ينسحبون من سوق الإيجار بالكامل. وفي أسواق الطاقة، قد تؤدي التعرفات المنظمة إلى تثبيط الاستثمار في الإنتاج أو البنية التحتية، لا سيما إذا افتقرت الشركات إلى اليقين بشأن قدرتها على استرداد التكاليف مستقبلًا. ومع مرور الوقت، يمكن أن تؤدي هذه الحوافز المشوهة إلى تقليص العرض وزيادة احتمالات النقص.

يقدم التاريخ العديد من الأمثلة على كيفية ظهور مثل هذه النواقص. فعندما تُفرض أسعار رسمية منخفضة بشكل مصطنع، غالبًا ما تنشأ أسواق غير رسمية. قد يواجه المستهلكون فترات انتظار طويلة، أو محدودية في التوافر، أو تراجعًا في الجودة. وفي الحالات القصوى، تتشكل أنظمة تسعير موازية، تتوافر فيها السلع بأسعار أعلى خارج القنوات الرسمية. ورغم أن معظم التدخلات الحالية لا تصل إلى هذه المستويات، فإن الديناميكيات الأساسية تظل نفسها: كبح الأسعار لا يزيل الندرة، بل يغير شكلها فقط.

تم نسخ الرابط