تحسّن نشاط الصفقات في العقارات التجارية رغم تراجع التقييمات
كذلك، يشهد قطاع الضيافة في بعض المناطق تحسنًا نسبيًا، مدعومًا بعودة السفر والسياحة، في حين يبقى قطاع التجزئة منقسمًا بين أصول عالية الجودة في مواقع متميزة، وأخرى تعاني من ضعف الطلب. هذا التفاوت يعزز أهمية الانتقائية، حيث لم يعد من الممكن التعامل مع العقارات التجارية كفئة واحدة متجانسة.
ومن زاوية أوسع، قد تُعد زيادة نشاط الصفقات إشارة مبكرة على بدء مرحلة “تصفية منظمة” للسوق. فبدلًا من تصحيح حاد ومفاجئ، يبدو أن السوق يتجه نحو مسار تدريجي، تُعاد فيه التسعيرات خطوة بخطوة مع انتقال الأصول من ملاك مضغوطين إلى مستثمرين أكثر قدرة على الاحتفاظ طويل الأجل. هذا المسار، وإن كان بطيئًا، قد يقلل من مخاطر الاضطرابات المفاجئة ويُسهم في استقرار النظام المالي.
بالنسبة للمستثمرين طويلي الأجل، تبرز في هذه المرحلة فرص يصعب تجاهلها. فالدخول عند تقييمات أقل يوفر هامش أمان أعلى، خاصة إذا ما اقترن باختيار أصول ذات أساسيات قوية وإدارة فعالة. غير أن هذه الفرص لا تخلو من المخاطر، إذ إن توقيت التعافي الكامل لا يزال غير واضح، وقد تستمر الضغوط على الأسعار لفترة أطول مما يتوقعه البعض.
في المقابل، يواجه المالكون الحاليون قرارات صعبة. فالبعض قد يضطر للبيع عند مستويات أقل لتجنب ضغوط إعادة التمويل أو لتخفيف المديونية، بينما يختار آخرون الانتظار على أمل تحسن الظروف. هذا التباين في الدوافع يسهم بدوره في تنشيط السوق، إذ يخلق مزيجًا من الصفقات المدفوعة بالفرص وتلك الناتجة عن الحاجة.
وتحمل هذه التطورات أيضًا دلالات للاقتصاد الأوسع. فعودة النشاط إلى سوق العقارات التجارية، حتى بشكل تدريجي، قد تساعد في دعم قطاعات مرتبطة مثل الإنشاءات والخدمات المهنية والتمويل. كما أن تحسن السيولة في السوق يقلل من مخاطر التجمّد الائتماني، الذي يمكن أن تكون له تداعيات أوسع على الاستقرار المالي.
مع ذلك، يبقى الطريق نحو تعافٍ كامل محفوفًا بعدم اليقين. فاستمرار ارتفاع أسعار الفائدة أو تباطؤ النمو الاقتصادي قد يعيدان الضغوط إلى الواجهة، ويؤخران استقرار التقييمات. وفي المقابل، فإن أي إشارات على تخفيف السياسة النقدية أو تحسن في آفاق النمو قد تعزز الثقة وتدفع بمزيد من المستثمرين إلى الدخول.
في الخلاصة، يعكس تحسن نشاط الصفقات في العقارات التجارية بداية مرحلة إعادة توازن، حيث تتحرك السوق تدريجيًا نحو مستويات أكثر واقعية من حيث الأسعار والتوقعات. ورغم أن التقييمات لا تزال تحت الضغط، فإن زيادة المعاملات تشير إلى أن عملية التكيف قد بدأت بالفعل. وبين تحديات التمويل وفرص الشراء طويل الأجل، يجد المستثمرون أنفسهم أمام سوق يتطلب صبرًا، وانتقائية عالية، ونظرة استراتيجية تتجاوز التقلبات قصيرة الأمد.