انخفاض أسعار الجملة في أوروبا بوتيرة أسرع من تضخم المستهلكين ما يخفف الضغوط على الهوامش
انخفاض أسعار الجملة في أوروبا بوتيرة أسرع من تضخم المستهلكين، ما يخفف الضغوط على الهوامش
تشهد أوروبا تحوّلًا هادئًا لكنه مهم تحت سطح أرقام التضخم الرئيسية. فقد بدأت أسعار الجملة، التي تقاس عبر مؤشرات أسعار المنتجين، في التراجع بوتيرة أسرع من أسعار المستهلكين، ما يوفر متنفسًا طال انتظاره للشركات التي عانت خلال السنوات الماضية من ضغوط متواصلة على التكاليف. ورغم أن المتسوقين قد لا يلمسون فرقًا واضحًا بعد عند نقاط البيع، فإن المصنعين وتجار التجزئة بدأوا يشعرون بتغير في المشهد الاقتصادي.
وتُظهر بيانات حديثة من عدة اقتصادات أوروبية كبرى أن أسعار المنتجين انخفضت على أساس شهري. ويأتي ذلك في تناقض ملحوظ مع تضخم المستهلكين الذي لا يزال أكثر تصلبًا نسبيًا. وبعبارة مبسطة، فإن الأسعار التي تدفعها الشركات مقابل الطاقة والمواد الخام والمدخلات الوسيطة تنخفض بوتيرة أسرع من الأسعار التي يدفعها المستهلكون مقابل السلع النهائية. ويكتسب هذا الفارق أهمية كبيرة لأنه يؤثر مباشرة في هوامش أرباح الشركات.
ما الذي يدفع أسعار الجملة إلى الانخفاض؟
تبرز قوتان رئيسيتان وراء تراجع أسعار الجملة. الأولى هي انخفاض تكاليف الطاقة والمدخلات. فبعد الارتفاعات الحادة التي سببتها التوترات الجيوسياسية واضطرابات الإمدادات في السنوات الأخيرة، استقرت أسواق الطاقة إلى حد كبير. كما أن أسعار الغاز الطبيعي والكهرباء في مختلف أنحاء أوروبا باتت أدنى بكثير من ذروتها خلال الأزمة، ما خفف عبئًا كبيرًا عن الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل الكيماويات والمعادن والتصنيع.
أما القوة الثانية فهي تحسن كفاءة سلاسل الإمداد. فخلال فترة الجائحة وما تلاها، أدت الاختناقات في الشحن والخدمات اللوجستية وتوافر المكونات إلى ارتفاع حاد في التكاليف. أما اليوم، فقد عادت أسعار الشحن إلى مستويات طبيعية، وتقلصت فترات التسليم، وأصبحت مستويات المخزون أكثر توازنًا. ويسهم هذا التحسن في تقليص “علاوة الندرة” التي كانت ترفع أسعار الجملة، ويسمح للمنتجين بالعمل بكفاءة أكبر.
ومجتمعة، تسهم هذه العوامل في خفض أسعار المنتجين وتوفير مساحة حركة للشركات التي كانت هوامشها تتعرض لضغوط من جهتين: ارتفاع التكاليف وضعف القدرة على رفع الأسعار.
لماذا لا يزال تضخم المستهلكين متماسكًا؟
رغم تراجع أسعار الجملة، لم ينخفض تضخم المستهلكين بالسرعة نفسها. ويظل تضخم الخدمات مرتفعًا بشكل خاص في العديد من الدول الأوروبية، مدفوعًا بتكاليف العمالة واتفاقيات الأجور التي جرى التفاوض عليها خلال فترات التضخم المرتفع. وتميل الإيجارات والضيافة والرعاية الصحية وغيرها من قطاعات الخدمات إلى التكيف ببطء، ما يُبقي نمو أسعار المستهلكين أعلى مما توحي به اتجاهات أسعار الجملة.
كما يلعب عامل تأخر انتقال الانخفاض دورًا مهمًا. فالشركات نادرًا ما تخفض أسعار المستهلكين فور تراجع تكاليفها. ويختار كثير منها التحلي بالحذر، مفضلين أولًا إعادة بناء الهوامش التي تآكلت خلال موجة التضخم. كما تواجه شركات أخرى قيودًا تعاقدية أو تنافسية تؤخر تعديل الأسعار. ونتيجة لذلك، قد يستغرق الأمر عدة أشهر قبل أن تترجم انخفاضات أسعار المنتجين إلى تخفيف ملموس على المستهلكين.