المتاحف الكبرى تُسرّع مشاريع الرقمنة مع تغيّر أنماط الزوار

ومضة الاقتصادي

كلفة وتعقيدات التحول الرقمي

رغم الفرص الكبيرة، فإن الرقمنة ليست عملية سهلة ولا منخفضة التكلفة. فالحفاظ الرقمي عالي الجودة يتطلب معدات متخصصة وكوادر مؤهلة واستثمارات طويلة الأمد في التخزين والأمن السيبراني. كما يجب التعامل بحذر مع القطع الهشة، في حين يستغرق إنشاء نسخ رقمية دقيقة وقتًا وجهدًا كبيرين.

ولا تقتصر التحديات على الجانب التقني فقط، بل تشمل أيضًا قضايا حقوق النشر وإتاحة الوصول. إذ تضم العديد من المجموعات أعمالًا لا تزال محمية بحقوق الملكية الفكرية، ما يفرض قيودًا على نشرها رقميًا. كما أن التفاوض مع الفنانين أو الورثة أو الناشرين قد يكون معقدًا، وتختلف السياسات القانونية من بلد إلى آخر.

وتبرز أيضًا مسألة الاستدامة، فالأرشيفات الرقمية تحتاج إلى صيانة وتحديث مستمرين لمواكبة تطور التكنولوجيا. ومن دون تمويل طويل الأجل، قد تواجه هذه المشاريع خطر التقادم التقني مستقبلًا.

توسيع الوصول وإعادة التفكير في الإيرادات

تمتد آثار تسريع الرقمنة إلى ما هو أبعد من جدران المتاحف. فمن منظور الجمهور، يعني توسيع الوصول الرقمي أن التراث الثقافي لم يعد مرتبطًا بالموقع الجغرافي أو القدرة المادية. فطالب في منطقة نائية يمكنه استكشاف مجموعات عالمية المستوى، وباحثون يستطيعون دراسة قطع نادرة دون الحاجة إلى السفر.

كما تفتح هذه الرقمنة الباب أمام نماذج إيرادات جديدة. إذ بدأت بعض المتاحف في تجربة معارض افتراضية مدفوعة أو محتوى مميز للأعضاء أو شراكات مع منصات تعليمية. ورغم التزام معظم المؤسسات بإتاحة حد أدنى من الوصول المجاني، فإن العروض الرقمية توفر فرصًا لتنويع مصادر الدخل في ظل الضغوط المتزايدة على التمويل العام.

غير أن تحقيق الدخل يجب أن يتم بحذر. فالمتاحف مطالبة بالموازنة بين الحاجة إلى الموارد المالية والحفاظ على رسالتها العامة. وقد تؤدي الجدران المدفوعة المفرطة إلى تقويض مبدأ الإتاحة الذي تسعى الرقمنة إلى تعزيزه.

توازن بين الرقمي والمادي

يشدد القائمون على المتاحف على أن الرقمنة لا تهدف إلى استبدال الزيارات الحضورية. فالوقوف أمام عمل فني أصلي أو قطعة تاريخية يوفر تجربة حسية وعاطفية لا يمكن للشاشات محاكاتها. بل تُنظر إلى المبادرات الرقمية على أنها مكملة، تثير الفضول وتشجع التفاعل وقد تحفز في النهاية على الزيارة الفعلية.

وتظهر نماذج هجينة تجمع بين الرقمي والمادي، حيث يعزز المحتوى الإلكتروني التجربة داخل المتحف من خلال تقنيات الواقع المعزز أو الأدلة التفاعلية أو أدوات التعلم المسبق قبل الزيارة. وبهذا المعنى، تسهم الرقمنة في تحويل المتاحف إلى فضاءات أكثر ديناميكية وتطورًا.

ما الذي ينبغي متابعته خلال المرحلة المقبلة؟

مع توسع مشاريع الرقمنة، ستتجه الأنظار إلى إعلانات التمويل الجديدة، سواء من الحكومات أو الجهات الخيرية أو الشركاء من القطاع الخاص، لتحديد مدى طموح وشمول هذه المبادرات. كما ستوفر بيانات تفاعل المستخدمين، مثل مدة التصفح وتكرار الزيارات والاستخدام التعليمي، مؤشرات مهمة حول ما يقدّره الجمهور فعلًا.

ومن المرجح أن تواصل المتاحف تعديل استراتيجياتها الرقمية بناءً على هذه المعطيات، مع اختبار صيغ وتقنيات جديدة وإعادة تقييم ما ينبغي أن يبقى حكرًا على التجربة المادية.

في عالم تتجزأ فيه الاهتمامات ويزداد فيه الاعتماد على الوصول الرقمي، تسعى المتاحف إلى التكيف للحفاظ على دورها كحماة للتراث الثقافي. ويعكس تسريع مشاريع الرقمنة إدراكًا متزايدًا بأن صون الماضي بات يتطلب أيضًا تصميم المستقبل، مستقبل تكون فيه الثقافة متاحة لكل من يملك اتصالًا ورغبة في الاكتشاف.

تم نسخ الرابط