المتاحف الكبرى تُسرّع مشاريع الرقمنة مع تغيّر أنماط الزوار

ومضة الاقتصادي

المتاحف الكبرى تُسرّع مشاريع الرقمنة مع تغيّر أنماط الزوار

لطالما ارتبطت المتاحف عبر القرون بمساحاتها المادية: القاعات الفسيحة، والمعارض المضاءة بعناية، وطقس التجول الهادئ من عرض إلى آخر. لكن هذا النموذج يشهد اليوم إعادة تشكيل عميقة بفعل تغيّر سلوك الزوار والتقدم السريع في التكنولوجيا الرقمية. ففي مختلف أنحاء العالم، تعمل المتاحف الكبرى على تسريع مشاريع رقمنة الأرشيفات والمعروضات، موسّعة نطاق الوصول عبر الإنترنت في وقت يتزايد فيه الإقبال على الزيارات الافتراضية وتتراجع فيه الزيارات الحضورية بشكل غير متوازن في بعض المناطق.

وقد أعلنت عدة متاحف وطنية ودولية مؤخرًا عن خطط لرقمنة أجزاء أكبر من مجموعاتها، بدءًا من المسح عالي الدقة للأعمال الفنية وصولًا إلى إتاحة الأرشيفات التاريخية بصيغ رقمية قابلة للبحث. ولا تُعد هذه المبادرات مجرد تحديثات تقنية، بل تعكس تحولًا أوسع في الطريقة التي يكتشف بها الجمهور المؤسسات الثقافية ويتفاعل معها ويقدّر دورها.

ارتفاع ملموس في التفاعل الافتراضي

تشير بيانات صادرة عن إدارات المتاحف ووزارات الثقافة إلى اتجاه واضح يتمثل في زيادة الزيارات الافتراضية مقارنة بالعام الماضي، حتى مع استقرار أو تراجع الحضور الفعلي في بعض المناطق. فقد باتت المعارض الرقمية والجولات الافتراضية والمجموعات المتاحة عبر الإنترنت تجذب جمهورًا جديدًا لم يكن ليزور المتحف حضوريًا، سواء بسبب البعد الجغرافي أو التكاليف أو القيود الحركية أو ضيق الوقت.

وبالنسبة للمتاحف، يوفر هذا النمو في التفاعل الرقمي مزيجًا من الطمأنينة والإلحاح. فمن جهة، يؤكد استمرار اهتمام الجمهور بالثقافة والتراث. ومن جهة أخرى، يفرض على المؤسسات أن تلتقي بجمهورها حيث يوجد، على الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية والحواسيب، بدل الاكتفاء بانتظار الزوار داخل القاعات.

ويبدو هذا التحول أكثر وضوحًا لدى الأجيال الشابة، التي اعتادت اكتشاف المحتوى عبر الإنترنت وتتوقع تجارب تفاعلية متاحة عند الطلب. وهكذا، تجد المتاحف نفسها في منافسة غير مباشرة مع منصات البث ووسائل التواصل الاجتماعي ومصادر التعليم الرقمي على جذب انتباه الجمهور.

لماذا تتسارع وتيرة الرقمنة الآن؟

يُعد تغيّر سلوك الجمهور العامل الأكثر إلحاحًا وراء التوجه المتسارع نحو الرقمنة. فمع انتقال أنماط الحياة إلى بيئة رقمية بشكل متزايد، تخاطر المتاحف بفقدان جزء من أهميتها إذا ظلت محصورة في الفضاء المادي فقط. وتتيح الرقمنة للمؤسسات توسيع نطاقها إلى ما وراء الحدود المحلية أو الوطنية، محوّلة مجموعاتها إلى موارد ثقافية عالمية.

كما أسهم تراجع الحضور الفعلي في بعض المناطق في دفع هذا التحول. ففي حين لا تزال المتاحف الكبرى في الوجهات السياحية الرئيسية تستقطب أعدادًا كبيرة من الزوار، تواجه مؤسسات أصغر أو إقليمية انخفاضًا في أعداد الزوار. وبالنسبة لهذه المتاحف، لا تمثل الرقمنة خيارًا إضافيًا فحسب، بل قد تكون وسيلة أساسية للحفاظ على الحضور والملاءمة.

ويضاف إلى ذلك البعد الاستراتيجي، إذ تدعم المجموعات الرقمية البحث العلمي والتعليم والتعاون مع الجامعات والمؤسسات الثقافية حول العالم. ومن خلال إتاحة الأرشيفات بشكل أوسع، تعزز المتاحف دورها كمراكز معرفة، لا مجرد أماكن عرض.

تم نسخ الرابط