شركات الخليج تقود طفرة إصدارات السندات والصكوك بعد جمع 102.69 مليار دولار في النصف الأول من 2026

ومضة الاقتصادي

تواصل أسواق الدين في دول مجلس التعاون الخليجي تسجيل أداء قوي خلال عام 2026، بعدما كشفت بيانات عن وصول قيمة إصدارات السندات والصكوك إلى 102.69 مليار دولار خلال النصف الأول من العام، عبر 161 إصدارًا. إلا أن أبرز ما حملته هذه الأرقام لم يكن حجم التمويل وحده، بل التحول الواضح في قيادة السوق، بعدما أصبحت الشركات اللاعب الأبرز في نشاط الإصدارات متقدمة على الحكومات، وهو ما يعكس تطورًا متسارعًا في الأسواق المالية الخليجية واتساع الاعتماد على أدوات التمويل عبر أسواق رأس المال.

ويعد سوق السندات والصكوك في الخليج أحد أهم مصادر التمويل خلال السنوات الأخيرة، إذ يوفر للشركات والحكومات والمؤسسات المالية إمكانية جمع السيولة اللازمة لتنفيذ المشاريع وخطط التوسع. وخلال النصف الأول من عام 2026 شهد السوق نشاطًا كبيرًا مع تنفيذ 161 إصدارًا تجاوزت قيمتها 102 مليار دولار، في وقت ما تزال فيه الأسواق العالمية تواجه حالة من عدم اليقين الاقتصادي، الأمر الذي يؤكد استمرار جاذبية المنطقة للمستثمرين وثقتهم بالاقتصادات الخليجية واستقرارها النسبي.

اللافت في هذه الفترة كان انتقال الشركات إلى صدارة المشهد، بعدما استحوذت على ما يقارب ثلثي إجمالي الإصدارات، متجاوزة الإصدارات الحكومية التي ظلت لسنوات طويلة المحرك الأساسي لسوق الدين الخليجي. ويعكس هذا التحول تغيرًا واضحًا في أسلوب تمويل الشركات، التي باتت تعتمد بصورة أكبر على أسواق المال لتوفير التمويل اللازم لمشروعاتها، سواء في قطاعات الطاقة أو البنية التحتية أو العقارات أو الخدمات المالية أو حتى الصناعات والتقنيات الحديثة، بدل الاكتفاء بالتمويل المصرفي التقليدي.

كما يكشف هذا التقدم عن ارتفاع مستوى الثقة الذي تحظى به الشركات الخليجية لدى المستثمرين، خصوصًا الشركات التي تمتلك تصنيفات ائتمانية قوية وسجلات مالية مستقرة، وهو ما يسهل عليها الوصول إلى التمويل واستقطاب شريحة أوسع من المستثمرين داخل المنطقة وخارجها.

ورغم استمرار الصكوك الإسلامية كإحدى الأدوات التمويلية الرئيسية في الخليج، فإن السندات التقليدية سجلت حضورًا أكبر خلال النصف الأول من عام 2026. ويعود ذلك إلى اتساع قاعدة المستثمرين الدوليين الذين يفضلون الاستثمار في السندات التقليدية، إلى جانب ما تمنحه هذه الأدوات من مرونة في الوصول إلى المؤسسات الاستثمارية العالمية. ومع ذلك، لا يعني هذا تراجع أهمية الصكوك، فهي ما تزال تشكل جزءًا أساسيًا من سوق التمويل الخليجي، لكنها أصبحت تعمل ضمن سوق أكثر تنوعًا يوفر خيارات متعددة للمقترضين والمستثمرين في الوقت نفسه.

وأظهرت البيانات كذلك استمرار الدولار الأمريكي كعملة التمويل الأولى في الإصدارات الخليجية، وهو أمر يرتبط بطبيعة العملات الخليجية المرتبطة بالدولار، إضافة إلى رغبة الشركات في الوصول إلى أكبر قاعدة ممكنة من المستثمرين العالميين. كما يمنح التمويل بالدولار مرونة أكبر عند تنفيذ المشاريع ذات الطابع الدولي أو عند التعامل مع الموردين والشركاء من مختلف الأسواق.

وتتجه الشركات الخليجية إلى زيادة الاعتماد على السندات والصكوك لعدة أسباب، في مقدمتها تنويع مصادر التمويل وعدم الاعتماد الكامل على القروض المصرفية، إلى جانب الحصول على تمويل طويل الأجل يتناسب مع المشروعات الكبرى التي تتطلب استثمارات ضخمة، خاصة في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والعقارات والخدمات اللوجستية. كذلك تسعى الشركات إلى تعزيز حضورها أمام المستثمرين العالميين، إذ يسهم نجاحها في إصدار أدوات الدين في بناء سجل ائتماني قوي يدعم عمليات التمويل المستقبلية.

ويؤكد هذا التحول أن الأسواق المالية الخليجية تدخل مرحلة أكثر نضجًا، فكلما ارتفعت قدرة الشركات على جمع التمويل مباشرة من الأسواق، زادت كفاءة توزيع رؤوس الأموال داخل الاقتصاد، وأصبحت المؤسسات أكثر قدرة على تنفيذ خططها التوسعية دون الاعتماد بصورة كاملة على التمويل الحكومي أو المصرفي. كما يسهم اتساع سوق السندات والصكوك في جذب المزيد من المستثمرين الدوليين، ويعزز مكانة المراكز المالية الخليجية باعتبارها وجهات رئيسية لإدارة الاستثمارات ورؤوس الأموال في المنطقة.

ويعكس وصول قيمة إصدارات السندات والصكوك الخليجية إلى 102.69 مليار دولار خلال ستة أشهر فقط تحولًا مهمًا في أسلوب تمويل الاقتصاد الخليجي، فمع تصدر الشركات لنشاط السوق تتجه المنطقة نحو مرحلة جديدة تعتمد بصورة أكبر على التمويل المؤسسي والوصول المباشر إلى المستثمرين، وهو ما يدعم خطط التنويع الاقتصادي ويمنح مختلف القطاعات فرصًا أوسع للنمو والاستثمار خلال السنوات المقبلة.

تم نسخ الرابط