تباعد حاد في توقعات التضخم بين الأسر والمستثمرين المحترفين
تباعد حاد في توقعات التضخم بين الأسر والمستثمرين المحترفين
يتسع الفارق بشكل لافت بين كيفية نظر الأسر العادية إلى مستقبل الأسعار، وكيف يقيّم المستثمرون المحترفون المسار التضخمي في السنوات المقبلة. ففي الوقت الذي تُظهر فيه استطلاعات الرأي أن الأسر تتوقع استمرار معدلات تضخم مرتفعة، بل وأحيانًا متصاعدة، تعكس مؤشرات الأسواق المالية صورة أكثر هدوءًا، مع بقاء توقعات التضخم المستخرجة من الأسواق عند مستويات أدنى نسبيًا. هذا التباعد لا يقتصر على اختلاف في الرأي، بل يحمل في طياته آثارًا اقتصادية وسياسية عميقة.
تشير بيانات استطلاعات المستهلكين في العديد من الاقتصادات إلى أن توقعات التضخم لدى الأسر لا تزال مرتفعة مقارنة بالمعدلات الحالية أو المتوقعة في الأسواق. في المقابل، تبقى معدلات التعادل التضخمي المستخرجة من السندات والأسواق المالية أكثر اعتدالًا، ما يوحي بأن المستثمرين يثقون في قدرة السياسات النقدية على كبح التضخم على المدى المتوسط. هذا التناقض يطرح سؤالًا جوهريًا: من الأقرب إلى الواقع، من يعيش التضخم يوميًا أم من يتعامل معه كمتغير مالي؟
أحد الأسباب الرئيسية وراء هذا التباعد هو اختلاف طبيعة التجربة. الأسر تشكل توقعاتها بناءً على أسعار تراها وتدفعها فعليًا: الغذاء، الإيجارات، الخدمات، التأمين، والتعليم. هذه البنود تمثل جزءًا كبيرًا من ميزانيات الأسر، وغالبًا ما تكون أسعارها «لاصقة» إلى الأعلى، أي ترتفع بسرعة وتنخفض ببطء. حتى عندما تشير البيانات الرسمية إلى تراجع التضخم، قد لا تشعر الأسر بتحسن مماثل في حياتها اليومية، ما يعزز الاعتقاد بأن ارتفاع الأسعار سيستمر.
في المقابل، يعتمد المستثمرون المحترفون على إشارات مختلفة. فهم ينظرون إلى بيانات كلية، وإلى مصداقية البنوك المركزية، وإلى مسار أسعار الفائدة والسياسة النقدية. الأسواق المالية غالبًا ما تكون «مُرسّخة» حول توقعات السياسة، أي أنها تفترض أن البنوك المركزية ستتدخل عند الحاجة للحفاظ على استقرار الأسعار. هذا الإطار يجعل توقعات المستثمرين أقل تأثرًا بالتجربة اليومية وأكثر ارتباطًا بالثقة المؤسسية.
يلعب الإعلام والسرد العام دورًا إضافيًا في تعميق هذا التباعد. الأخبار التي تركز على ارتفاعات الأسعار الفردية، أو على قصص الضغوط المعيشية، تترك أثرًا نفسيًا أقوى لدى الأسر من التقارير الإحصائية المجردة. في الوقت نفسه، يتعامل المستثمرون مع سيل من البيانات والتحليلات التي تضع هذه الأخبار في سياق أوسع، ما يقلل من تأثيرها المباشر على توقعاتهم طويلة الأجل.
لكن هذا الاختلاف في التوقعات ليس مجرد مسألة إدراك، بل يحمل مخاطر حقيقية على صعيد السياسات. إذا بالغت البنوك المركزية في الاعتماد على إشارات الأسواق، فقد تقلل من شأن الضغوط التضخمية التي يشعر بها المستهلكون فعليًا. وعلى العكس، إذا استجابت بشكل مفرط لتوقعات الأسر المرتفعة، فقد تشدد السياسة النقدية أكثر مما يتطلبه الوضع الاقتصادي، ما يزيد مخاطر التباطؤ أو الركود.