تحوّل تقلبات الأسعار من السلع الاستهلاكية إلى عقود الخدمات وتجديداتها
أما بالنسبة للشركات، فالتحدي لا يقل تعقيدًا. فارتفاع تكاليف الخدمات المدخلة يمكن أن يضغط على الهوامش، لا سيما في القطاعات التي لا تستطيع تمرير التكاليف بسهولة إلى العملاء النهائيين. كما أن عدم وضوح مسار الأسعار المستقبلية يعقّد إعداد الميزانيات طويلة الأجل، ويدفع بعض الشركات إلى تبني نهج أكثر تحفظًا في الاستثمار والتوسع.
من منظور السياسات الاقتصادية، يطرح هذا التحول إشكالية قياس التضخم نفسه. أسعار السلع غالبًا ما تكون شفافة وسهلة الرصد، بينما أسعار الخدمات أكثر تشتتًا وأقل توحيدًا. العديد من الزيادات لا تظهر فورًا في المؤشرات الرسمية، لأنها مرتبطة بعقود خاصة أو اتفاقات فردية. هذا يؤدي إلى ما يمكن وصفه بـ«تأخر الرؤية التضخمية»، حيث تبدو البيانات الرسمية أكثر هدوءًا مما يشعر به المستهلكون فعليًا.
هذه الخاصية تجعل تضخم الخدمات أكثر عنادًا واستمرارية. فحتى مع تراجع أسعار السلع أو استقرارها، قد تظل أسعار الخدمات مرتفعة لفترة أطول، مدفوعة بالأجور والعقود طويلة الأجل. بالنسبة للبنوك المركزية، يشكل هذا تحديًا إضافيًا، إذ يصبح من الصعب تقييم ما إذا كان التضخم في طريقه للانحسار فعليًا أم أنه يتخذ شكلًا جديدًا أقل وضوحًا.
في الوقت نفسه، قد يؤدي التركيز المتزايد على الخدمات إلى إعادة تشكيل سلوك التفاوض في الأسواق. المستهلكون والشركات قد يصبحون أكثر وعيًا بشروط التجديد، وأكثر استعدادًا لإعادة التفاوض أو البحث عن بدائل. لكن هذه المرونة ليست متاحة للجميع، خاصة في القطاعات التي تتمتع فيها الخدمات بطابع احتكاري أو تتسم بارتفاع تكاليف الانتقال بين المزودين.
ما ينبغي مراقبته خلال المرحلة المقبلة هو تطور مكونات تضخم الخدمات في المؤشرات الرسمية، إلى جانب نتائج استطلاعات العقود وتجديداتها. هذه البيانات قد توفر إشارات مبكرة حول اتجاهات إعادة التسعير قبل أن تنعكس بالكامل في أرقام التضخم العامة. كما سيكون من المهم متابعة ما إذا كانت ضغوط الأجور ستبدأ في التراجع، أو ما إذا كانت ستظل عاملًا داعمًا لاستمرار ارتفاع أسعار الخدمات.
في النهاية، لا يعني استقرار أسعار السلع نهاية الضغوط التضخمية، بل انتقالها إلى ساحة أقل وضوحًا وأكثر تعقيدًا. تضخم الخدمات، بطبيعته المتقطعة والمتأخرة الظهور، قد يكون أقل إثارة للعناوين، لكنه أكثر تأثيرًا على الحياة اليومية والقرارات الاقتصادية طويلة الأجل. وفي هذا التحول، يكمن التحدي الحقيقي لصناع السياسات والمستهلكين والشركات على حد سواء.