تحوّل تقلبات الأسعار من السلع الاستهلاكية إلى عقود الخدمات وتجديداتها
تحوّل تقلبات الأسعار من السلع الاستهلاكية إلى عقود الخدمات وتجديداتها
بعد سنوات من تركّز الجدل حول تضخم أسعار السلع الاستهلاكية، بدأ مركز الثقل يتحرك تدريجيًا نحو قطاع آخر أقل وضوحًا وأكثر تعقيدًا: الخدمات. ففي حين أظهرت أسعار العديد من السلع قدرًا من الاستقرار النسبي، سواء بسبب تحسن سلاسل الإمداد أو تراجع الطلب، باتت أسعار الخدمات تشهد تقلبات أوسع وأكثر تفاوتًا. هذا التحول لا يعكس مجرد تغيير في مكونات التضخم، بل يكشف عن طبيعة مختلفة للمخاطر السعرية التي تواجهها الأسر والشركات على حد سواء.
تشير البيانات الحديثة إلى أن أسعار السلع، من الإلكترونيات إلى بعض المواد الغذائية المصنعة، فقدت زخم الارتفاع الحاد الذي ميز الفترات السابقة. في المقابل، أظهرت رسوم الخدمات، مثل التأمين، والاتصالات، والرعاية الصحية الخاصة، والخدمات المهنية، نطاقًا أوسع من الزيادات عند تجديد العقود. هذه الفروقات لا تظهر دائمًا في الفواتير الشهرية بشكل تدريجي، بل غالبًا ما تأتي على شكل قفزات مفاجئة عند نهاية العقد أو إعادة التفاوض، ما يزيد من عنصر الصدمة لدى المستهلكين.
السبب الرئيسي وراء هذا التحول يكمن في طبيعة تكاليف الخدمات نفسها. فالخدمات تعتمد بدرجة كبيرة على العمالة، ومع استمرار ضغوط الأجور في العديد من الاقتصادات، تجد الشركات نفسها مضطرة إلى إعادة تسعير خدماتها لتعكس هذه التكاليف المرتفعة. وعلى عكس السلع، التي يمكن تحسين إنتاجيتها أو تغيير مصادرها بسرعة نسبية، يصعب في كثير من الخدمات تحقيق وفورات كبيرة في الكفاءة دون المساس بالجودة.
عامل آخر يتمثل في هيكلية العقود. العديد من الخدمات تُقدَّم ضمن عقود سنوية أو متعددة السنوات، ما يعني أن الأسعار لا تتغير باستمرار، بل تُعاد معايرتها على فترات محددة. عندما تتزامن هذه التجديدات مع بيئة تضخمية مرتفعة، تظهر الزيادات دفعة واحدة بدلًا من أن تتوزع تدريجيًا. هذا ما يفسر لماذا تبدو تقلبات أسعار الخدمات أشد حدّة، حتى لو كان متوسط التضخم العام في تراجع.
بالنسبة للأسر، يخلق هذا الوضع قدرًا كبيرًا من عدم اليقين المالي. قد تبدو الميزانية مستقرة طوال العام، ثم تواجه الأسرة زيادة مفاجئة في تكلفة خدمة أساسية عند التجديد، مثل التأمين الصحي أو رسوم التعليم أو الإيجار الخدمي. هذا النمط يجعل التخطيط المالي أكثر صعوبة، خاصة للأسر ذات الدخل الثابت أو المحدود، التي لا تملك هامشًا واسعًا لاستيعاب الصدمات السعرية غير المتوقعة.