المدن تختبر طلاءات شوارع عاكسة للحرارة للحد من درجات الحرارة الصيفية
المدن تختبر طلاءات شوارع عاكسة للحرارة للحد من درجات الحرارة الصيفية
مع اشتداد حرارة الصيف في مختلف أنحاء العالم، باتت المدن تواجه مشكلة تقع حرفيًا تحت أقدام سكانها. فالطرق الإسفلتية الداكنة، والأسطح السوداء، والبيئات العمرانية الكثيفة تمتص الحرارة وتحتفظ بها، ما يرفع درجات الحرارة في المدن بعدة درجات مقارنة بالمناطق المحيطة. تُعرف هذه الظاهرة باسم “جزيرة الحرارة الحضرية”، ولم تعد مفهومًا بيئيًا نظريًا، بل واقعًا يوميًا يعيشه ملايين الناس. وفي مواجهة ذلك، بدأت المدن بتجربة تدخل غير تقليدي لكنه عملي: طلاءات شوارع عاكسة للحرارة تهدف إلى إبقاء الطرق أكثر برودة.
في برامج تجريبية بعدة مدن، قامت السلطات البلدية بتطبيق طلاءات فاتحة اللون وعالية الانعكاس على الشوارع ومواقف السيارات والمساحات العامة. صُممت هذه المواد لتعكس نسبة أكبر من أشعة الشمس بدل امتصاصها، ما يقلل كمية الحرارة المخزنة نهارًا والمطلقة ليلًا. وتشير البيانات الأولية من هذه التجارب إلى نتائج واعدة، إذ انخفضت درجات حرارة أسطح الطرق المعالجة بعدة درجات مقارنة بالإسفلت غير المعالج.
الدافع وراء هذه التجارب يعود إلى تصاعد الإجهاد الحراري في المدن. فموجات الحر أصبحت أكثر تكرارًا وأطول مدة وأشد حدة، ما يفرض ضغوطًا متزايدة على أنظمة الصحة العامة وشبكات الطاقة والفئات السكانية الأكثر هشاشة. وفي المدن الكثيفة حيث تقل المساحات الخضراء وتغلب الخرسانة، يمكن أن ترتفع درجات الحرارة إلى مستويات تفوق المعدلات الإقليمية بشكل ملحوظ. أما الحلول التقليدية، مثل التوسع في استخدام أجهزة التكييف، فغالبًا ما تزيد المشكلة سوءًا عبر رفع استهلاك الطاقة وإنتاج حرارة إضافية. وتقدم الطلاءات العاكسة للحرارة نهجًا أكثر سلبية واستنادًا إلى البنية التحتية لتبريد المدن.
كما لعبت استراتيجيات التكيف المناخي دورًا محوريًا في دفع هذه المشاريع قدمًا. إذ تدرك العديد من المدن اليوم أن خفض انبعاثات الغازات الدفيئة، رغم أهميته، لا يكفي وحده. بل لا بد من التكيف مع الاحترار الذي بات جزءًا من النظام المناخي بالفعل. وتنسجم طلاءات الشوارع مع هذا التوجه لأنها يمكن تطبيقها بسرعة نسبية، ولا تتطلب إعادة تصميم جذرية للبيئة الحضرية، ويمكن اختبارها على نطاق محدود قبل تعميمها.
ولا تقتصر الفوائد المحتملة على تبريد سطح الطريق فحسب. فخفض درجات حرارة الشوارع يمكن أن يقلل الحرارة المحيطة في المناطق المجاورة، ما يخفف العبء التبريدي على المباني القريبة. ويؤدي ذلك بدوره إلى تقليل الطلب على الكهرباء خلال فترات الذروة الصيفية، حين تكون شبكات الطاقة أكثر عرضة للضغط. وفي الأحياء التي تعاني من نقص المساحات الخضراء أو من مبانٍ قديمة، يمكن حتى لانخفاضات طفيفة في درجات الحرارة الخارجية أن تُحدث تحسنًا ملموسًا في الراحة والصحة العامة.
ومع ذلك، لا يخلو هذا النهج من التحديات. فإحدى أبرز المخاوف تتعلق بالمتانة. إذ تتعرض الشوارع لاستخدام كثيف بفعل حركة المرور والظروف الجوية وأعمال الصيانة. ويتعين على الطلاءات العاكسة أن تتحمل الأحمال الثقيلة والاحتكاك والتعرض للزيوت والأوساخ والمياه دون أن تفقد خصائصها الانعكاسية. وإذا تدهورت هذه الطلاءات بسرعة، فقد تفوق تكاليف إعادة التطبيق الفوائد المرجوة، خصوصًا في البلديات التي تعاني من محدودية الموارد.