فائض الصين التجاري القياسي البالغ 1.2 تريليون دولار يغذي تدفقات الاستثمار العالمي الخاص
فائض الصين التجاري القياسي البالغ 1.2 تريليون دولار يغذي تدفقات الاستثمار العالمي الخاص
أعاد الحضور الاقتصادي للصين تشكيل التيارات المالية العالمية مرة أخرى. فقد سجلت البلاد العام الماضي فائضًا تجاريًا قياسيًا بلغ 1.2 تريليون دولار، وهو رقم لافت لا يعكس فقط قوة الصادرات، بل يسلط الضوء أيضًا على كيفية توجيه هذا الفائض. والأهم من حجمه هو وجهته؛ فبدلًا من أن يتكدس كما في السابق داخل احتياطيات البنك المركزي، يجري اليوم توجيه جزء كبير منه عبر قنوات خاصة نحو الأوراق المالية الخارجية، وعمليات الاستحواذ، والتوسع التجاري الدولي. هذا التحول الصامت يؤثر في أسواق الأصول وتدفقات رأس المال وصنع السياسات في مختلف أنحاء العالم.
في جوهره، يعكس الفائض التجاري الفجوة بين ما تبيعه الدولة للعالم وما تشتريه منه. ويتميز فائض الصين الأخير ليس فقط بضخامته، بل بمرونته أيضًا، إذ تحقق في وقت يشهد فيه الطلب العالمي تذبذبًا، واستمرار ارتفاع أسعار الفائدة في العديد من الاقتصادات، وتصاعد التوترات الجيوسياسية التي تعطل أنماط التجارة. ومع ذلك، حافظت الصادرات الصينية، من السلع المصنعة إلى المكونات عالية القيمة، على قوتها، ما يؤكد الدور المحوري للصين في سلاسل الإمداد العالمية.
من الاحتياطيات إلى تحمل المخاطر
ارتبطت فوائض الصين التجارية تاريخيًا بالنمو السريع في احتياطيات النقد الأجنبي، والتي كانت تُستثمر غالبًا في السندات الحكومية مثل سندات الخزانة الأمريكية. إلا أن هذا النمط تغيّر. فاليوم، يتدفق جزء متزايد من الفائض عبر الشركات والمستثمرين المؤسسيين والأفراد الأثرياء الذين يسعون إلى التعرض للأسواق الدولية. ويتم توجيه هذه الأموال إلى الأسهم والسندات والعقارات والاستثمارات المباشرة في الأعمال التجارية عبر آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية.
وتقف خلف هذا التحول عدة عوامل. فالشركات الصينية، التي يتمتع الكثير منها بقدرة تنافسية عالمية وسيولة مالية قوية، تتطلع بشكل متزايد إلى فرص نمو خارجية. وفي الوقت نفسه، يسعى المستثمرون من القطاع الخاص إلى تنويع محافظهم بعيدًا عن السوق المحلية، بدافع إدارة المخاطر والرغبة في الاستفادة من أصول أجنبية أكثر استقرارًا أو أسرع نموًا. ونتيجة لذلك، بات الفائض التجاري الصيني أقل شبهًا بمخزون راكد، وأكثر أشبه بمصدر نشط لرأس المال العالمي.
قوة الصادرات رغم التحديات
تعكس قدرة الصين على تحقيق هذا الفائض الضخم، رغم الرياح المعاكسة عالميًا، مزيجًا من المزايا الهيكلية والتكيف التكتيكي. فقد سمح حجم التصنيع وكفاءة الخدمات اللوجستية والتطور التكنولوجي للمصدرين بالحفاظ على قدرتهم التنافسية حتى مع تباطؤ الطلب في بعض الاقتصادات المتقدمة. وبالتوازي، عدّلت الشركات سلاسل الإمداد، وغيرت مزيج منتجاتها، واستهدفت أسواقًا ناشئة لتعويض التباطؤ في مناطق أخرى.
وقد عزز هذا الأداء ثقة الشركات والمستثمرين الصينيين بأن التوسع الخارجي ليس ممكنًا فحسب، بل أصبح ضرورة. فبدلًا من الاكتفاء بالفرص المحلية، يختار الكثيرون نشر رؤوس أموالهم دوليًا، ما يعمّق الروابط المالية العابرة للحدود.