مسؤولو البنك المركزي الأوروبي يحذرون من التراخي مع بقاء تضخم الخدمات مرتفعاً
مسؤولو البنك المركزي الأوروبي يحذرون من التراخي مع بقاء تضخم الخدمات مرتفعاً
في الوقت الذي بدأت فيه معدلات التضخم الإجمالية في منطقة اليورو تُظهر إشارات تراجع مقارنة بذروتها خلال العامين الماضيين، يبرز مصدر قلق أساسي لدى صناع السياسات النقدية: تضخم الخدمات. فقد شدد عدد من مسؤولي البنك المركزي الأوروبي في تصريحاتهم الأخيرة على ضرورة تجنب الشعور بالاطمئنان المفرط، مؤكدين أن الضغوط السعرية في قطاع الخدمات لا تزال مرتفعة وعنيدة، ما يعقّد مسار خفض أسعار الفائدة المنتظر من قبل الأسواق.
تشير البيانات الأخيرة إلى أن تضخم الخدمات يظل عند مستويات أعلى من المستهدف، حتى مع تراجع أسعار الطاقة وتباطؤ التضخم في السلع. ويُعد هذا التطور مهماً لأن الخدمات تمثل جزءاً كبيراً من إنفاق المستهلكين في الاقتصادات المتقدمة، وتشمل قطاعات مثل النقل، والرعاية الصحية، والتعليم، والضيافة. كما أن هذا النوع من التضخم غالباً ما يكون أكثر ثباتاً وأبطأ في التراجع مقارنة بتضخم السلع.
أحد أبرز العوامل الكامنة وراء هذا الارتفاع المستمر يتمثل في نمو الأجور، الذي لا يزال أعلى من متوسطاته التاريخية. فأسواق العمل في منطقة اليورو، رغم ضعف قطاع التصنيع وتباطؤ النمو الاقتصادي، لا تزال متماسكة نسبياً. معدلات البطالة منخفضة في العديد من الدول، والشركات في القطاعات الخدمية كثيفة العمالة تضطر إلى رفع الأجور للاحتفاظ بالموظفين وجذب عمالة جديدة. هذه الزيادات في التكاليف غالباً ما تُمرر إلى المستهلكين عبر أسعار أعلى للخدمات.
وتكمن المفارقة في أن ضعف قطاع التصنيع، الذي كان يُنظر إليه تقليدياً كمؤشر مبكر على التباطؤ الاقتصادي، لم ينعكس بالدرجة نفسها على قطاع الخدمات. فالاستهلاك المحلي، خاصة في مجالات السياحة والترفيه، لا يزال يوفر دعماً نسبياً للنشاط الاقتصادي. هذا التباين بين القطاعات يجعل مهمة البنك المركزي الأوروبي أكثر تعقيداً، إذ لا يمكن الاعتماد على تباطؤ شامل في الاقتصاد لكبح التضخم بسرعة.
من وجهة نظر صناع السياسات، يكمن الخطر في أن أي تخفيف مبكر أو غير مدروس للسياسة النقدية قد يؤدي إلى ترسيخ التضخم عند مستويات أعلى من المستهدف لفترة أطول. لذلك، يحذر مسؤولو البنك من الاعتماد المفرط على التوقعات أو على إشارات مؤقتة في البيانات، مؤكدين أن مسار خفض الفائدة يجب أن يكون تدريجياً ومبنياً على أدلة واضحة على تراجع مستدام في جميع مكونات التضخم، وليس فقط في الأرقام الرئيسية.