الانحراف في الأداء: لماذا يبدأ المتداولون الجيدون تدريجيًا في مخالفة قواعدهم؟
نادراً ما يتراجع أداء المتداول الجيد في يوم واحد، ففي الغالب يبدأ الأمر بتغييرات صغيرة لا تبدو خطيرة في البداية. دخول قبل اكتمال الإشارة بقليل، توسيع وقف الخسارة، جني الأرباح بسرعة، زيادة حجم المركز أو قبول صفقة لا تستوفي جميع الشروط. ومع تكرار هذه الاستثناءات يتحول ما كان مخالفة عابرة إلى سلوك معتاد، وهنا يظهر ما يعرف بالانحراف في الأداء.
الانحراف في الأداء لا يرتبط بالمبتدئين فقط، بل قد يصيب المتداول صاحب الخبرة الذي يعرف جيداً قواعد إدارة المخاطر والتحليل وإدارة المشاعر. المشكلة ليست دائماً في نقص المعرفة، فقد يعرف المتداول القاعدة جيداً لكنه يصبح مع الوقت أكثر استعداداً لتجاوزها.
فإذا كانت خطة التداول تنص مثلاً على المخاطرة بنسبة لا تتجاوز 1% في الصفقة، والدخول بعد تحقق ثلاثة شروط، ووضع وقف الخسارة مباشرة، وتجنب الأخبار الكبرى وعدم تنفيذ أكثر من ثلاث صفقات يومياً، فقد يبدأ الالتزام بهذه القواعد صارماً، ثم تظهر الاستثناءات. تصبح مخاطرة 1.2% مقبولة لأن الصفقة تبدو قوية، ثم ترتفع إلى 1.5%، وبعدها يدخل المتداول صفقة لا تتوافر فيها سوى شروطتين من أصل ثلاثة. وبمرور الوقت يجد نفسه بعيداً عن النظام الذي وضعه من البداية.
وقد يظهر الانحراف في المخاطر من خلال زيادة أحجام المراكز، أو في الدخول عبر الصفقات المبكرة والمنخفضة الجودة، أو في الخروج بتحريك وقف الخسارة وجني الأرباح قبل أوانها، كما قد يظهر في زيادة عدد الصفقات أو في السماح للخوف والإحباط والملل والحماس والثقة المفرطة بالتأثير على القرارات.
هناك أسباب كثيرة تدفع المتداول الجيد إلى مخالفة قواعده. سلسلة الأرباح قد تمنحه ثقة زائدة تجعله يعتقد أنه يستطيع تحمل مخاطر أكبر، بينما قد تدفعه الخسائر الأخيرة إلى محاولة استعادة أمواله من خلال زيادة حجم المراكز أو التداول الانتقامي. كذلك قد يتغير السوق فعلاً فيبدأ المتداول بتعديل استراتيجيته، وهو أمر طبيعي إذا تم بناءً على اختبار وتحليل، لكنه يصبح خطيراً عندما يكون التغيير اندفاعياً. وحتى الملل قد يكون سبباً كافياً للدخول في صفقة متوسطة الجودة لمجرد الرغبة في المشاركة.