فقدان أسعار النحاس الزخم مع تراجع الطلب من قطاع البناء

ومضة الاقتصادي

فقدان أسعار النحاس الزخم مع تراجع الطلب من قطاع البناء

بدأت أسعار النحاس تفقد زخمها في الآونة الأخيرة، بعدما سجلت تراجعاً تدريجياً بالتوازي مع ضعف أداء المعادن الصناعية عموماً. ويعكس هذا التحرك تحولاً في توقعات السوق، في ظل مؤشرات متزايدة على تباطؤ نشاط البناء، أحد أهم محركات الطلب على النحاس عالمياً. وبالنسبة للمستثمرين وصناع القرار، يُنظر إلى النحاس غالباً بوصفه مؤشراً مبكراً على صحة الاقتصاد العالمي، ما يجعل هذا التراجع محل متابعة دقيقة.

تشير البيانات الأخيرة إلى أن أسعار النحاس تراجعت عن مستوياتها المرتفعة، في وقت سجلت فيه المعادن الصناعية الأخرى أداءً أضعف نسبياً. ورغم أن هذا الانخفاض لا يُعد حاداً حتى الآن، إلا أنه يمثل تغييراً في الاتجاه بعد فترة من التفاؤل المدعوم بتوقعات انتعاش الطلب، لا سيما من قطاعات البنية التحتية والطاقة المتجددة. هذا التباطؤ النسبي يعكس واقعاً أكثر حذراً، مع إعادة تقييم المستثمرين لقوة الطلب الفعلي على المدى القريب.

أحد العوامل الرئيسية وراء هذا التطور هو ضعف نشاط البناء في عدد من الاقتصادات الكبرى. فقطاع البناء يُعد من أكبر مستهلكي النحاس، نظراً لاستخدامه الواسع في الأسلاك الكهربائية والأنابيب وأنظمة التدفئة والتبريد. ومع تباطؤ مشاريع الإسكان والبنية التحتية في بعض الدول، نتيجة ارتفاع تكاليف التمويل وتشدد الأوضاع الائتمانية، تراجع الطلب على النحاس بشكل ملموس. هذا الأمر كان له تأثير مباشر على الأسعار، خاصة في ظل غياب محفزات قوية تعوض هذا الضعف.

إلى جانب ذلك، ساهم استقرار المخزونات في زيادة الضغط على الأسعار. ففي فترات سابقة، كان انخفاض مستويات المخزون يعزز المخاوف من نقص المعروض ويدعم الأسعار. أما في المرحلة الحالية، فإن استقرار المخزونات في بعض المراكز الرئيسية أرسل إشارة إلى أن السوق ليست في حالة شح حاد، ما قلل من الحاجة إلى تسعير علاوة مخاطر إضافية. هذا التوازن النسبي بين العرض والطلب أسهم في فقدان الأسعار لجزء من زخمها.

ورغم هذا التراجع، لا تزال الصورة الكاملة أكثر تعقيداً. فالنحاس يتمتع بعوامل دعم هيكلية على المدى الطويل، أبرزها التحول نحو الطاقة النظيفة والكهرباء. فمشاريع الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إلى جانب توسع شبكات السيارات الكهربائية، تعتمد بشكل كبير على النحاس. إلا أن هذه العوامل طويلة الأجل لا تكفي وحدها لدعم الأسعار في مواجهة ضعف دوري في قطاعات تقليدية رئيسية مثل البناء.

من زاوية المخاطر والتحديات، يبرز احتمال استمرار التباطؤ في الطلب على البنية التحتية لفترة أطول من المتوقع. فإذا استمرت أسعار الفائدة مرتفعة، أو بقيت الحكومات حذرة في الإنفاق على المشاريع الكبرى، فقد يظل الطلب على النحاس دون المستويات التي كانت الأسواق تأملها. هذا السيناريو قد يفرض ضغوطاً إضافية على المنتجين، خاصة أولئك الذين يعتمدون على أسعار مرتفعة للحفاظ على هوامش ربح مريحة.

تم نسخ الرابط