ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية مع تراجع الطلب في المزادات
ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية مع تراجع الطلب في المزادات
ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية هذا الأسبوع، ولا سيما في آجالها الطويلة، بعد أن أظهرت مزادات السندات الحكومية طلباً أضعف من المتوقع. ورغم أن التحركات اليومية في أسواق السندات نادراً ما تستحوذ على اهتمام الجمهور العام، فإن هذا التطور يحمل أهمية تتجاوز كثيراً نطاق وول ستريت. فعوائد سندات الخزانة تؤثر في كل شيء تقريباً، من معدلات الرهن العقاري وتقييمات الأسهم إلى قوة الدولار الأميركي وتدفقات رؤوس الأموال العالمية. والارتفاع الأخير يذكّر بأن الأسواق لا تزال حساسة لضغوط العرض ومستويات ثقة المستثمرين، حتى مع تراجع التضخم عن ذروته.
وكانت سلسلة من مزادات سندات الخزانة طويلة الأجل في صميم هذا التحرك، إذ لم تجذب الطلب القوي الذي اعتاد عليه المستثمرون. وعندما تكون نتائج المزادات ضعيفة، تنخفض الأسعار وترتفع العوائد لتحفيز المشترين. وقد تجلّت هذه الديناميكية بشكل أوضح في سندات العشر سنوات والثلاثين عاماً، وهي معايير أساسية للنظام المالي الأوسع. وكانت النتيجة ارتفاعاً ملحوظاً في تكاليف الاقتراض طويلة الأجل.
أحد الأسباب الرئيسية وراء ضعف الطلب هو الحجم الكبير لإصدارات الديون التي تطرحها الحكومة الأميركية. فجدول الإصدارات المكثف يعني أن المستثمرين مطالبون باستيعاب كميات كبيرة من السندات الجديدة خلال فترة زمنية قصيرة. ومع استمرار العجوزات المالية عند مستويات مرتفعة وازدياد احتياجات إعادة التمويل، اعتمدت وزارة الخزانة بشكل كبير على الإصدارات طويلة الأجل. ورغم أن رؤوس الأموال العالمية الباحثة عن الأصول الآمنة لا تزال وفيرة، فإن هناك حدوداً لمدى سرعة استعداد المستثمرين لزيادة انكشافهم، خصوصاً بعد الارتفاع الكبير في العوائد خلال العامين الماضيين.
كما يلعب حذر المستثمرين تجاه مخاطر المدة دوراً محورياً. فالمدة تشير إلى حساسية السند لتغيرات أسعار الفائدة، وتكون السندات طويلة الأجل أكثر عرضة للخسائر عند ارتفاع العوائد. وعلى الرغم من اعتقاد كثير من المشاركين في السوق أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي بات قريباً من نهاية دورة رفع أسعار الفائدة، فإن حالة عدم اليقين ما زالت قائمة بشأن المدة التي ستبقى فيها السياسة النقدية مشددة. فاستمرار التضخم في قطاع الخدمات، وقوة إنفاق المستهلكين، ومتانة سوق العمل، كلها عوامل عقّدت التوقعات المتعلقة بخفض سريع للفائدة. ونتيجة لذلك، يتردد المستثمرون في تثبيت أموالهم في سندات طويلة الأجل ما لم يحصلوا على عوائد أعلى تعوضهم عن المخاطر.
ويعكس هذا الحذر تحولاً أوسع في العقلية مقارنة بفترة أسعار الفائدة شديدة الانخفاض التي هيمنت على معظم العقد الماضي. ففي ذلك الوقت، جعل دعم البنوك المركزية مخاطر المدة تبدو شبه غير ذات أهمية. أما اليوم، ومع استمرار التشديد الكمي وتراجع دور البنوك المركزية كمشترٍ تلقائي للديون الحكومية، بات المستثمرون من القطاع الخاص يطالبون بشروط أكثر جاذبية. ويعد ضعف الطلب في المزادات أحد أبرز مظاهر هذا التغيير.