الدولار الأميركي يواصل الصعود مع تسعير المستثمرين لاستمرار السياسة النقدية المتشددة
الدولار الأميركي يواصل الصعود مع تسعير المستثمرين لاستمرار السياسة النقدية المتشددة
يعود الدولار الأميركي ليؤكد حضوره القوي على الساحة العالمية من جديد. ففي الأسابيع الأخيرة، سجلت العملة الأميركية مكاسب ملحوظة أمام معظم العملات الرئيسية، في ظل قناعة متزايدة لدى المستثمرين بأن أسعار الفائدة في الولايات المتحدة مرشحة للبقاء مرتفعة لفترة أطول. ورغم أن تحركات العملات قد تبدو بعيدة عن اهتمامات العامة، فإن تغيرات الدولار تحمل آثارًا واسعة تمتد من التجارة العالمية وأسعار السلع إلى تدفقات الاستثمار واستقرار الأسواق الناشئة.
في صميم هذا الارتفاع يقف عامل مألوف: السياسة النقدية الأميركية. فقد ارتفع مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة مقابل سلة من العملات الرئيسية مثل اليورو والين والجنيه الإسترليني، بالتزامن مع بقاء عوائد سندات الخزانة الأميركية مرتفعة على مختلف الآجال. وتؤدي العوائد الأعلى إلى تعزيز جاذبية الأصول المقومة بالدولار، ما يدفع رؤوس الأموال العالمية إلى التدفق نحو الولايات المتحدة ويرفع قيمة العملة.
لماذا يزداد الدولار قوة؟
المحرك الرئيسي لقوة الدولار الأخيرة هو رسائل مجلس الاحتياطي الفيدرالي. فعلى الرغم من تراجع معدلات التضخم عن ذروتها بعد الجائحة، يواصل مسؤولو الفيدرالي التأكيد على أن معركة السيطرة على الأسعار لم تنتهِ بعد. وبدلًا من الإسراع في خفض الفائدة، يشدد صناع السياسة على ضرورة التحلي بالصبر، مشيرين إلى أن الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مقيدة لفترة أطول قد يكون ضروريًا لضمان عودة التضخم إلى مساره المستهدف بشكل مستدام.
وقد لاقت هذه الرؤية، المعروفة بسياسة «الفائدة المرتفعة لفترة أطول»، صدى واسعًا في الأسواق. فالتوقعات باستمرار التشديد النقدي تنعكس مباشرة على ارتفاع عوائد السندات، خاصة مقارنة باقتصادات متقدمة أخرى تقترب بنوكها المركزية من التيسير أو بدأت بالفعل في خفض الفائدة. ويؤدي اتساع فجوة العوائد إلى ترجيح كفة الدولار الأميركي.
إلى جانب ذلك، تلعب متانة الاقتصاد الأميركي دورًا مهمًا في دعم العملة. فرغم تباطؤ النمو، أظهر الاقتصاد الأميركي قدرة أعلى على الصمود مقارنة بالعديد من نظرائه. فقد ساعد إنفاق المستهلكين القوي، وسوق العمل المتماسك، والميزانيات القوية للشركات في تجنب تباطؤ حاد. وفي المقابل، تواجه أجزاء من أوروبا حالة من الركود، بينما لا تزال وتيرة التعافي في الصين غير متوازنة، وتعاني بعض الأسواق الناشئة من ضغوط مالية متزايدة. وفي أوقات عدم اليقين، يميل المستثمرون إلى الملاذات الآمنة، ويظل الدولار الأميركي في مقدمتها.
الآثار العالمية لارتفاع الدولار
لكن قوة الدولار لا تخلو من التحديات. فالعديد من الاقتصادات حول العالم، ولا سيما الأسواق الناشئة، تتأثر سلبًا بارتفاع العملة الأميركية. إذ تحمل هذه الاقتصادات في الغالب ديونًا مقومة بالدولار، ومع ارتفاع قيمته تصبح خدمة الدين أكثر كلفة، ما يؤدي إلى تشديد الأوضاع المالية وزيادة مخاطر خروج رؤوس الأموال.