جاذبية السوق: لماذا يعود السعر دائمًا إلى البنية

ومضة الاقتصادي

في عالم التداول  هناك مفاهيم كثيرة يتداولها المتعاملون مع الأسواق  لكن القليل منها يحظى بأهمية فعلية رغم تجاهل الكثيرين له  ومن أبرزها بنية السوق. أغلب المتداولين يركزون على تحركات السعر اللحظية  أو الأخبار الاقتصادية  أو المؤشرات الفنية المختلفة  بينما يغفلون الإطار الأوسع الذي يتحرك داخله السعر  أي المناطق والبنى التي يميل طبيعيا للعودة إليها. هذا الإطار هو ما يفسر فكرة جاذبية السوق  أو ميل السعر للرجوع إلى مستويات محددة بعد الابتعاد عنها.
يمكن تشبيه جاذبية السوق بقوة جذب خفية تعمل في الخلفية؛ فكما ينجذب جسم نحو مركز ثقل معين  يميل السعر للعودة إلى مناطق الدعم والمقاومة  ومناطق العرض والطلب  والمتوسطات المتحركة  والمستويات النفسية مثل الأرقام المستديرة. بغض النظر عن مدى ابتعاد السعر خلال موجات الاتجاه أو التحركات القوية الناتجة عن الأخبار  فإنه غالبا ما يعود ليختبر هذه المناطق مجددا. الفكرة ليست غامضة  بل ناتجة عن سلوك المشاركين في السوق وتدفق الأوامر داخل المنظومة التداولية.
جوهر المفهوم يقوم على أن السعر يتحرك بعيدا عن التوازن ثم يعود إليه. هذا السلوك يرتبط بعوامل عدة  منها التراكم والتوزيع حيث يقوم المتداولون المؤسساتيون بتجميع مراكزهم عند مستويات سيولة واضحة  ما يجعل السوق يعود لتلك المناطق لتنفيذ أوامر كبيرة. كذلك ما يعرف ببرك السيولة  حيث يضع العديد من المتداولين أوامر وقف الخسارة بالقرب من القمم والقيعان السابقة  فيسعى السعر إلى تلك المناطق لتفعيل السيولة وتنفيذ الصفقات الكبيرة. إضافة إلى ذلك هناك ذاكرة السوق  فالمشاركون يتذكرون المستويات التاريخية المهمة ويتفاعلون معها عند إعادة اختبارها  مما يعزز قوة الجذب نحوها.
بمعنى آخر  جاذبية السوق ليست نظرية مجردة  بل انعكاس مباشر لسلوك بشري متكرر داخل الأسواق. السعر قد يندفع بقوة في اتجاه معين  لكنه غالبا ما يصحح أو يعود إلى بنية سابقة قبل أن يواصل حركته. هذا الإدراك يمنح المتداول إطارا واضحا لفهم الحركة بدلا من محاولة تفسير كل موجة على حدة.
من الناحية العملية  يساعد فهم جاذبية السوق في تحسين قرارات الدخول والخروج وإدارة المخاطر. فعند تحديد مناطق الدخول  لا يكون القرار عشوائيا  بل يتم عبر رصد مستويات الدعم والمقاومة الرئيسية على الرسوم البيانية  والبحث عن مناطق التماسك السابقة أو الازدحام السعري  ثم انتظار اقتراب السعر منها مع ظهور إشارات تأكيد مثل شموع البين بار أو الشموع الابتلاعية. هذا الأسلوب يقلل من الدخول المتسرع ويزيد من احتمالية توافق الصفقة مع حركة الجذب الطبيعية للسوق.
أما في تحديد أهداف الربح  فإن جاذبية السوق توفر مرجعا منطقيا. فالسعر نادرا ما يتحرك في خط مستقيم  بل يتأرجح بين مناطق بنائية مختلفة. لذلك يمكن للمتداول تحديد هدفه عند المنطقة البنائية التالية بدلا من الطموح بهدف بعيد وغير واقعي. هذا يعزز نسبة المخاطرة إلى العائد  وهو عنصر أساسي لتحقيق استمرارية الربحية على المدى الطويل.

تم نسخ الرابط